“أدعياءُ الشعر” يهدمون الجسور مع الجمهور

هذا المقال رقم : 20 من 66 من العدد 2018-8-27-16174

تتبدى في الآفاق ملامح أزمة شعرية بشكل خاص وأدبية بشكل عام.. ولهذه الأزمة المفترضة أسبابها المباشرة وغير المباشرة.. وبعيداً عن الخوض (الذي قد يبدو للبعض عقيماً) في تفاصيل قد لا تغني ولا تسمن من جوع معظم الأحيان، سأحاول الدخول في صلب الموضوع، عبر تقديم مجموعتين شعريتين (هكذا كُتِبَ عليهما) تُجسِّدانِ المثال الواقعي لما يُطرحُ في التداول هذه الأيام ملقياً بالظلال “الرمادية” على واقع الشعر.

بين مجموعتين (شعريتين)

في مقدمةِ المجموعةِ الأولى تكتبُ الشاعرةُ: (أكتبُ الشعرَ منذ طفولتي؛ فهو روحي والهواء الذي أتنفسه، فلولاهُ ما عشتُ إلى هذا اليومِ مع هذا الواقعِ ومع هؤلاءِ الناسِ وكلِّ المتغيرات، فالشعرُ مولودٌ في رئتي في كلِّ زاويةٍ أسكنُها..).

وإذا ما دخلنا عالمَ المجموعةِ فإننا نقرأُ في إحدى صفحاتِها: (حياة سأمٍ بعاد/ لا نبغي منها سوى الآلام/ ودنيا للعينِ زائلةٌ/ بينَ عامٍ وأعوام/ والناسُ للسعيِّ تشقى/ وتجمعُ من حولِها الأحلام).

وفي صفحةٍ أُخرى نقرأ: (أجيبوا من أنا يا رفاق عمري/ قد مضى بظلِّ الهوانِ والعِدا/عشتُ والناسُ من حولي غربا/ شارداً ذبيحَ الفكرِ ألماً ودمعاً).

ومنَ المجموعةِ الثانيةِ نقرأُ في إحدى صفحاتها قولَ الشاعر:

(تغيَّري.. وغيِّريني/وغيَّري السوادَ والبياضَ في عيوني/ سيلي على جيبي/وبللي حواجبي/ وواصلي ترحالكِ الطويلَ في تخميني/ يا قلعةَ الكرتونِ/ ويا مدينةً غريبةَ التشكيلِ والتلوينِ/ يا قدحَ الماءِ على طاولتي/ ويا زجاجةَ النبيذِ/ يا سدادةَ الفلينِ..).

ولأنَّ المقطعَ السابقَ بلغَ (قمةَ الشاعريةِ) فلن أُتابِعَ الرحلةَ الممتعةَ في حدائقِ المجموعةِ، وسأفوِّتُ على القرَّاءِ الأعزاءِ فرصةَ تذوُّقِ الشِعرِ الجميل..!

بعد ما تقدم؛ وهو غيضٌ من فيضِ من الركامِ الهائلِ الذي تُتحِفُنا بهِ دُورُ النشرِ، من نتاجاتِ مُستسهلي الكتابة، الذينَ تجتاحُهُم نوباتُ الشعرِ، فـ(تصدحُ) حناجرهُم على حينِ غرة بهذهِ النتاجاتِ الإبداعيةِ الباهرة! وبعد ذلكَ كله نسأل: هل الشعرُ في أزمة؟!… ويكتفي البعضُ بالتنظيرِ (الساذجِ) دونَ البحثِ الواقعيِّ في الأسباب، ومحاولة الإجابةِ عن السؤال: هل الأزمة؛. أزمةُ شعرٍ أم أزمةُ شعراء؟!.

وإذ يتباكى البعضُ على ماضي الشعرِ مستشرفينَ مستقبلهُ، معتبرينَ أن المهرجاناتِ الشعريَّةَ والأمسيات الأدبية باتت تُشكِّلُ (ظواهرَ احتفالية) وأنَّ عددَ الجمهورِ يتناقصُ مع مرورِ الزمن فماذا يمكننا أن نقول؟!…

وإذا شاركَ شاعرٌ في أمسيةِ فإنهُ يشتكي من قلةِ عددِ الحضور، وهو بذلكَ كأنَّما يُعاقِبُ من حضروا بالازدراءِ والإهمال، وكأنَّ المسألةَ برمَّتِها مسألةُ كمٍّ لا نوع!.  ثمّ ماذا يهمُّ لو حضرَ النشاطَ الثقافي عشرونَ مهتماً؟!.. وليسأل هؤلاء أنفسهم: هل يحضرونَ الفعاليات الثقافيةَ الأخرى؟!.. أظنُّ أنَّ أحدهم سينبري متذرعاً بضيقِ الوقت.. وإذا ما بحثتَ عنهُ ستجدهُ يقضي معظمَ وقتهِ في المقهى، يبعثرُ الوقتَ كيفما اتفق!. والأنكى من ذلك كلهِ والأشدُّ إيلاماً؛ أن يتفرَّغَ البعضُ ممن (يتمترسون) وراءَ تجاربهم الإبداعية المتضخمة أصلاً بذواتهم، والقابلة للانفجار في أي وقت، لكيلِ الاتهاماتِ وتحميلِ وسائلِ الإعلامِ على اختلافِ توجهاتها مسؤوليةَ انحدارِ الشعرِ من (برجهِ العاجي).

التلوثُ الشعري

هنا لنا أن نسألَ هؤلاء: هل تتابعونَ حقاً البرامج الثقافيةَ في وسائل الإعلام؟! وهل تهتمون بالصفحاتِ الثقافيةِ في الصحف اليومية وغير اليومية؟!. هل تطَّلِعون على نتاجاتِ شعراءِ المستقبلِ المنشورة؟! وهل تكتبون عنها نقداً أو انطباعاً؟!. وليس لنا أن ننتظرَ إجاباتهم..

فهي واضحةٌ وضوح الشمس في كبد السماء.. إذ لو فعلَ شعراؤنا ونقادنا (الكبار) ذلكَ لما وصلت حالةُ الشعرِ إلى ما هي عليه اليوم في الإطارِ العام، ولما داهمنا ذلكَ التلوثُ الشعري المخيف.

هذه الإصداراتِ الغثّةِ.. ماذا عنها؟!.. ثمَّةَ أمرٌ مهمٌ تنبغي الإشارةُ إليه، يأتي في المرتبة الثانية من الأهميةِ، بعدَ مسؤوليةِ الشعراء والنقاد، والمتمثلة بالإشرافِ على الأجيالِ الشابةِ، وهو عدمُ الاهتمام بالمستوى الفني للكثير من النصوص المقدمةِ للنشر، والأملُ كبيرٌ في أن لا يُسمحَ بعد اليومِ بطباعةِ أي نتاجٍ ما لم يرتقِ إلى مستوى مقبول من الإبداع.

إنّ هذا (الركامَ) الهائلَ من الإصداراتِ الغثّةِ، هو ما ولّدَ عند المتلقي ردةَ فعلٍ عنيفة جداً حول الشعر ومدى تواجدهِ على الساحة الإبداعية وضرورته.

الشعرُ بخير

الشعرُ ليس في أزمة.. بل بعضُ من تورَّطَ في الكتابة من (أدعياءِ الشعر) هو الأزمة.. الشعرُ بخير، والدليلُ على ذلك الجمهور المتذوق والمحب للشعر الحقيقي، والذي يتوافد بكثافة لحضور أمسيةٍ لشاعرٍ يمتلكُ ناصيةَ الإبداع الحقيقية، والأمثلةُ أكثرَ من أن نعددها، وهي بكلِّ وضوحٍ لا تتعلقُ بالأسماءِ قدرَ تعلُّقها بالنتاجات المتميزة. إن التباكي على الشعر، والمنابر التي تستعطفُ الجمهور، و(إقامةَ الحدِّ) على الشعراءِ الجدد لا يجوزُ بالمطلق، والمطلوبُ عينٌ ناقدةٌ تصوِّبُ الخطأ وتعززُ الصواب، بعيداً عن العلاقةِ الشخصيةِ سلبيةً كانت أم إيجابية..

الشعرُ ليس في أزمة.. بل بعضُ من يعدّونَ أنفسهم شعراء هم في أزمة.. ليعُد هؤلاء إلى ضمائرهم..

لينزلوا من (بروج الوهمِ) التي أشادوها في خيالاتهم.. ليعودوا إلى الملتقيات الثقافيةِ الحقيقية – وما أكثرها- وليشاركوا بفاعليةٍ وحبٍّ وصدق، فالتنظيرُ (الفجُّ) لا يصنعُ شعراً، والأمجادُ لا تُبنى بالأقوالِ المواربة، بل بالأفعالِ الصادقة.

نضال حيدر

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تعليقات