أسـرار العلاقات الفرنسية الخليجية.. فصل من كتاب (أمراؤنا الأعزاء جداً)

يتامى قطر

استطاعت رشيدة داتي، بفضل نيكولا ساركوزي، أن تتعايش، إلى حد ما، مع حالة التقشف التي فرضها سفير قطر الجديد على أصدقاء الإمارة من الفرنسيين. لم يحدث هذا مع جميع السياسيين الذين تعودوا على مغازلة الدوحة. بعضهم، اليوم، يتامى حقيقيون بعد توقف عطايا قطر.

يظهر السفير اليوم، مثلاً، أقل كرماً مع سيغولين رويال، وزيرة البيئة، الاشتراكية. أعيدت العلاقات معها عندما كانت مرشحة الحزب الاشتراكي للانتخابات الرئاسية عام 2007. في السنة التالية، دعيت إلى “الدوحة فوروم”. حضر معها مساعدها إيريك غيبالي. هناك ضحية أخرى للوضع الجديد هو وزير حزب الخضر، جان فانسان بلاسي، الذي اشتكى ضمن الدائرة الضيقة للحزب من أن السفير الحالي لم يعد يدعوه لإجازة نهاية الأسبوع. يشير أحد المقربين من السفير إلى أن “بلاسي لم يستلم هدايا إلّا من السفير السابق”، ولم يقل أكثر من ذلك. يقول جان فانسان بلاسي، الذي دعي إلى “الدوحة فوروم” عام 2013: “نحن نأتي، قبل كل شيء، من أجل أن نتعرف” (صحيفة ميترو 27/5/2013). كان معه تسعة وسبعون شخصاً في الوفد الفرنسي، وهذه أهم مناسبة سنوية يحضرها نحو عشرين سياسياً، منهم فرانسوا فيون وميشيل إليوت ماري، وكذلك الحاضر دائماً، إنريكو ماسياس، أو مدير راديو سيروك، بيير بيلانجي. لا أحد يعرف ما إذا كان السيناتور الوسطي إيف جيغو قد حصل على شيء من السفير السابق، ولكنه طلب مرة خمسين ألف يورو من السفير الحالي من أجل مشروع في منطقته الانتخابية، ورفض السفير تلبية طلبه. واجهت ناتالي غوليه، سيناتورة منطقة أورن، الرفض الواضح والحاسم من قبل ممثل قطر في باريس، ومع ذلك تعددت طلباتها. اتصلت، في نهاية العام 2015، بمكتب السفير لكي تشتكي من عدم تلقيها هدية عيد نويل. قالت بانزعاج: “كيف حصل أنني لم أستلم هدية نهاية السنة؟ زملائي في مجلس الشيوخ حصلوا على هدية.. أنا لم أستلم شيئاً!”. قال مشعل بغضب عندما أخبره مساعده باتصال السيدة غوليه: “لتذهب إلى الجحيم”. عندما هاجم بعض السياسيين أو الصحافة قطر، بعد هجمات باريس، لم تتردد السيناتورة في الاقتراح على السفير تنظيم ندوة – طبعاً مقابل المال. أجاب الدبلوماسي بالرفض. ومن يومها والسيدة غوليه تصرح دون مواربة: “لا أحب قطر كثيراً” (من حوار مع المؤلفين في 13/7/2016). يعرف عن السيدة غوليه، في كواليس مجلس الشيوخ، جرأتها اللامحدودة. كانت ولفترة طويلة مقربة من إيران، إلى حد أنها أصدرت كتاباً، من المرجح أنه جاء بطلب من طهران، تدين فيه أكاذيب ممثلي المعارضة الإيرانية (مجاهدي خلق) الموجودين في فرنسا. ثم قطعت علاقتها بالإيرانيين، قبل أن تندفع وتصبح في طليعة المدافعين عن السعودية، عدو إيران اللدود. إنه مسار غريب، ففي 23/5/2016، نظمت السيدة غوليه ندوة في إطار المجموعة البرلمانية للصداقة بين فرنسا ودول الخليج، في مجلس الشيوخ، حول موضوع “الوجوه الجديدة للعربية السعودية”. ما هو هدف الندوة؟ كان الهدف رفع شأن المملكة المتهمة دائماً بأنها تموّل الإرهاب، عبر إظهار أن الملك سلمان وابنه محمد بن سلمان يقودان السعودية في الطريق الصحيح. في موازاة ذلك، تركز نقد الصحافة والسياسيين على إعادة إحياء الأفكار القديمة التي تعود إلى عصر كانت فيه السعودية تموّل الجهاد في أفغانستان. في توقيت الندوة، تكفّل قنصل فرنسا السابق في جدة لويس بلان، من جهته، بإظهار أن السعودية ليست هي داعش التي نجحت، بحسب عنوان مقال للكاتب الجزائري كامل داوود، نشر في صحيفة “النيويورك تايمز”. من يستمع إلى المتكلمين يعتقد أن السعودية بلد مثل أي بلد آخر، وأن الاتهامات ضدها في غير محلها. أرسل ملخص عن الندوة إلى الصحافة، في اليوم التالي، من قبل مكتب Publicis “اشترت السعودية شركات عديدة للعلاقات العامة في باريس من أجل تحسين صورتها”، وهذا الملخص زاد المشكلة. كان عنوان الورقة المرسلة إلى الصحافة: (العربية السعودية وفرنسا: لنكسر الأساطير من أجل تدعيم العلاقات الدبلوماسية). وهو يعترض على “بعض الصور النمطية”، ويشير إلى أن “واقع العربية السعودية غير معروف كثيراً، ويغيب وراء بعض الكليشات التي من المفيد، اليوم، وضعها موضع تساؤل دون سذاجة”. يقول البيان الختامي: “لأن العربية السعودية تتقدم وتسير في طريق الإصلاح، من المفيد أن يفهم المواطنون الفرنسيون، جميعهم، قيمة العلاقات الفرنسية السعودية، وأكثر من ذلك، أن يفهموا تطور هذه العلاقات”.

من أجل عملية العلاقات العامة هذه، يؤكد أحد المطلعين أن السيدة غوليه استلمت ظرفاً كبيراً من السفارة في باريس، وهذا ما نفته أمام المؤلفين. قامت السيناتورة غوليه، بين 24 و28/2/2016، بزيارة إلى السعودية على رأس وفد من النواب، أعضاء جمعية الصداقة الفرنسية الخليجية. إن نشاطها هذا لم يمنعها من أن تكون رئيسة لجنة في مجلس الشيوخ للبحث حول الإسلام في فرنسا وتمويله، وسنتحدث عن ذلك في الفصل التالي. لو لم يكن هناك صراع على المصالح، ماذا يمكن أن نقول عن إيريك بيسون وزير الصناعة والطاقة السابق في عهد نيكولا ساركوزي. في ذلك الوقت، اشتكى رجل أعمال سعودي لمحاورين فرنسيين من إلحاح الوزير الفرنسي على التدخل في علاقاتهم التجارية. وفي فصل من يعتبر سفارات دول الخليج صناديق أموال، نضيف النائب الاشتراكي لمنطقة هودوسين، ألكسي باشلي، الذي بحث، هو أيضاً، عن تمويل لحملته الانتخابية، من سفير قطر، ولكن جهده كان دون فائدة.

على رأس معهد العالم العربي، هناك جاك لانغ الذي لايذكر وحسب من قبل سفارة قطر، بل وأيضاً من قبل السفارة السعودية، وسفارة الإمارات العربية المتحدة، على أنه محاور لا رادع له. يقول أحد أعضاء سفارة الإمارات العربية بغضب: “يأتي ليطلب ثلاث بطاقات رجال أعمال، له ولزوجته وصديقه، عندما يدعى إلى أبو ظبي. وإذا حدث وتم رفض طلبه فإننا نخاطر بأنه سينتقد الإمارات علناً”. رشيدة داتي هي أيضاً طرقت باب سفارة الإمارات، ومنذ سنوات عديدة “أرادت أن ندفع لها ثمن تذاكر طائرة لها ولعائلتها التي أرادت الاجتماع في دبي. يقول دبلوماسي آخر في سفارة قطر: “كان دوفيلبان يفرض أن يحجز له في الدرجة الأولى، أو في مكان رجال الأعمال، وكان قد ألغى مشاركته في ندوة لأن الحجز كان في الدرجة الاقتصادية وليس في الدرجة الأولى. وقد أصابت الدهشة السفير من هذا التصرف”. هناك شيء أكيد آخر: لم يكن رئيس الوزراء السابق، الذي أصبح محامياً تجارياً، يقول أي كلمة جيدة عن قطر إلّا مقابل منفعة مادية، مثله في ذلك مثل جميع الذين تحدثنا عنهم. أكد دوفيلبان في 4/11/2015، على راديو أوروبا1: “لا تملك فرنسا أي دليل على تورط قطر في تمويل الإرهاب”. جاك لانغ، من جهته، شكك في أن تكون قطر تمول الإرهاب بأي شكل من الأشكال، جاء ذلك على إذاعة فرانس أنفو. لا يبدي رجال السياسة عندنا أي رغبة في الاطلاع على التقارير الأمريكية العديدة والمنشورة، والتي تشير إلى دور الدوحة في تمويل الإرهاب، كما سنرى لاحقاً. ومن بين ضحايا الموقف الجديد لسفارة قطر في باريس، نذكر أيضاً الباحث نبيل الناصري، المقرب من الأخوان المسلمين. لم يعد من الأوراق الصغيرة للسفارة. لم تتم دعوته هذه السنة إلى منتدى “الدوحة فوروم”، ولم تعد صحيفته (الأوبزرفاتور) تمول من الإمارة. أراد السفير الابتعاد عن المقربين من الأخوان المسلمين جميعهم، لأن ذلك ليس جيداً لصورة البلد.. هذا ما أخبرنا به أحد الدبلوماسيين القطريين. مع ذلك، كان السفير السابق يغذي رغبة قطرية سرية في السيطرة على اتحاد الجمعيات الإسلامية في فرنسا، كما سنرى. يقول أحد رجال الأعمال، وهو مقرب من محمد الكواري: “لأن فرنسا تحوي أكبر جالية مغاربية في أوروبا، فإن السيطرة عليها من خلال أقوى تنظيماتها يعني السيطرة على المسلمين في أوروبا”.

قرر مشعل آل ثاني أن يبتعد عن المنظمات الفرنسية الإسلامية. ورفض حتى أن يقيم مأدبة بمناسبة عيد الفطر، مثلما كان يفعل سابقه، بما في ذلك في الضواحي. أجاب على من أراده أن يستمر في هذه التقاليد: “لا أريد أن أتدخل في شؤون الجالية التونسية، أو الجزائرية، أو التركية”.

بعد ثلاث سنوات من وصوله إلى باريس، يبدو أن سفير قطر قد تعب من كل هذه الممارسات، فعين في الشهر التاسع من العام 2016 سفيراً لبلاده في الولايات المتحدة. يقول أحد أصدقائه: “مشعل الذي كان سفيراً في بلجيكا وفي الولايات المتحدة كان يقول لي غالباً: لم أر مثل هذا من قبل قط. لقد تعاملت مع سياسيين في كل العالم، ولكن لا أحد تصرّف مثل بعض السياسيين الفرنسيين، ولم يطلب أحد نقوداً بمثل هذه الفظاظة، كما لو أن الأمر طبيعي، وكما لو أننا ندين لهم بشيء”. وكرر: “لسنا بنكاً. يطلبون مني، في الدوحة، أن أحارب الفساد، أنا موجود هنا ليس لكي أصرف على رجال السياسة الفرنسيين”. لقد أظهر هؤلاء السياسيون طيشهم بصورة غير مقبولة. أسرّ لنا محمد الكواري، عام 2013: “نحن نعلم جيداً من يحب قطر ومن يحب نقود قطر”. ويروي السفراء العرب فيما بينهم جميع هذه القصص من الطيش. يقول أحدهم: “أي صورة يعطيها السياسيون الفرنسيون عن بلدهم؟”.

من أجل الانتخابات الرئاسية عام 1974

كان المتعامل القديم مع الشرق الأوسط، إكزافييه هوزيل، وعمره سبعة وسبعون عاماً، مستشاراً لولي عهد المملكة السعودية بين عامي 1976 – 1990. كان إكزافييه هوزيل في ذلك الوقت تاجر نفط، وكان يمضي أسبوعاً كل ثلاثة أشهر في المملكة يعلّم الأمراء الجغرافية السياسية. كان هذا الرجل المهذب متأنقاً دائماً في لباسه، وقد قبل أن يقدم شهادته حول علاقته الطويلة مع السعودية، وحول القيم السائدة منذ عقود بين المملكة وبين القادة السياسيين الفرنسيين. يقول: “كنت أتلقى خمسين ألف دولار في كل رحلة. كنت أستلم، قبل ثلاثة أسابيع من وصولي، قائمة بالأسئلة من ثلاثين من كبار الموظفين، أو من أمراء شباب يريدون متابعة الدراسة. تم فرض شرط متفق عليه، وهو أن لا أتحدث عن السياسة الفرنسية. يتم اختيار الطلاب من قبل عبد العزيز التويجري الرجل المقرب من عبدالله”. عام 1969، قدمه صديق لبناني للأمير عبدالله، وكان في ذلك قائد الحرس الوطني، وكان يأتي لتمضية ثلاثة أسابيع في الصيف، ويقيم في فندق كلاريدج في الشانزيليزيه. “التقينا في مساء من المساءات في ناد ليلي، ولم يكن عبدالله يشرب الكحول. وكان من يؤمّن المومسات للأمراء الآخرين وسيط لبناني”، وهو معروف جيداً في الأوساط القضائية. من حديث إلى آخر، قام عبد العزيز التويجري بدعوة إكزافييه هوزيل إلى السعودية. “أعطاني عبدالله بعض الهدايا، وساعات بصورة خاصة. وكان يعاملني كصديق”. بدأت التجارة مع فرنسا. وفي العام 1966، باعت شركة لوشير ذخيرة للرياض عبر وسيط سوري هو أكرم العجة، أحد أكبر الوسطاء التجاريين بين فرنسا والسعودية. ثم باعت شركة بانهارد مصفحات للجيش وللحرس الوطني، وقد أعجب السعوديون بكفاءتها خلال الحرب التي خاضوها مع الغربيين بين عامي 1962–1970 ضد المتمردين اليمنيين المدعومين من الاتحاد السوفييتي السابق، ومن الرئيس المصري ناصر. وفي النهاية وقعت فرنسا، عام 1971، عقداً مهماً لتزويد الرياض بمئتي دبابة AMX30. باختصار بدأت العلاقات التجارية بين البلدين. وكانت الانتخابات الرئاسية عام 1974 على الأبواب. كان إكزافييه هوزيل صديقاً لفيكتور شابو، المكلف بالأعمال الخاصة، مثل “الصندوق الأسود، والعلاقات مع أجهزة المخابرات”، لدى فاليري جيسكار ديستان، وزير الاقتصاد في عهد جورج بومبيدو. يقول هوزيل: “في يوم من الأيام، اتصل بي شابو وقال: نحن على اطلاع أن السعودية والإمارات والأردن يريدون تقديم عشرة ملايين دولار، بين دورتي الانتخابات الرئاسية، لحزب “الاتحاد من أجل الدفاع عن الجمهورية”، من أجل دعم جاك شابان دلماس. يجب إخبار السعوديين مباشرة أن يتوقفوا فوراً. هذه الأموال لن تفيد شيئاً. جيسكار ديستان سيربح الانتخابات”.. هذا ما أكده له فيكتور شابو. كان يجب أن تنقل الأموال عبر السفير السعودي في جنيف، وعبر السفير الأردني وسفير الإمارات في فرنسا. كان أمين صندوق حزب “الاتحاد من أجل الدفاع عن الجمهورية”، ألبان شالاندون، سيستلم ثلاثين مليون دولار لقاء خدمات تنفيذ عقود عديدة. سافر هوزيل إلى الرياض التي التقى فيها بالأمير عبدالله. يقول: “شرحت له أن السعودية تخاطر بأن يعرف هذا الأمر، وبأنه، في الحالات كلها، هذا لن يفيد شيئاً. هناك شخص انتقل إلى صف جيسكار ديستان ودعمه هو جاك شيراك. مقابل ذلك عينه ديستان رئيساً للوزراء”. اقتنع الأمير عبدالله بكلامي، وذهب لرؤية الملك فيصل، وبعد وقت قصير عاد، وقال لي إنهم سيوقفون كل شيء”. يتذكر إكزافييه هوزيل ذلك ويقول إنه قبل أن يغادر الرياض: “انزعج الملك فيصل من فكرة أن يخسر شابان ديلماس الديغولي – كما يسميه – الانتخابات. أكدت له أن ذلك ليس خطيراً، وأن ديستان سيكون جيداً”. عملياً تعود السعوديون على اليمين وعلى اليسار في فرنسا، مثلما تعودوا على الجمهوريين وعلى الديمقراطيين في الولايات المتحدة. هنأ فيكتور شابو مبعوثه إلى الرياض بعد عودته إلى باريس، والذي ساعد في الصيف التالي على تنظيم زيارة لصديقه عبدالله إلى رئيس الجمهورية فاليري جيسكار ديستان. “كان عبدالله سعيداً باستقباله في الإليزيه، وهو الذي ينظر إليه على أنه بدوي متخلف، لا يعرف شيئاً في السياسة الخارجية”. ومن أجل شكر هوزيل، قام الأمير عبدالله بدعوته إلى قصره الجديد القريب من الدار البيضاء، وفيه اقترح عليه أن يصبح أحد مستشاريه، وقدم له بالمناسبة نفسها مئة ألف دولار، يقول إنه رفضها (يروي هوزيل أن عبدالله سأل مساعديه: “ما هو العقد الذي يريده هوزيل؟ ومن أجل أي شركة فرنسية؟”. وهكذا حصلت لشركة SAE عقداً لبناء أربعة أبراج في جدة. اتصل عبدالله بابنه، الأمير متعب، الذي طلب إحضار رئيس الشركة المذكورة. وفي ثلاثة أسابيع تم إنهاء الموضوع. لقد كنت أحمقاً. أعطاني عبدالله عمولة مئتي ألف دولار، ولكنها موزعة على سنوات عديدة على غير العادة. أما ساعات الرولكس فقد أعطيتها لأصدقائي).

في نهاية سبعينيات القرن الماضي، أراد السعوديون ان يعرفوا الوضع (سألني عبدالله عمّاذا سيحدث في الانتخابات الرئاسية عام 1981. قلت له: “إن شيراك سيضرب مرة أخرى، وسيفعل كل شيء لكي يمنع إعادة انتخاب ديستان”. سألني عبدالله: “ماذا يمكن أن أفعل لكي أساعد جيسكار؟” أجبته: “لا يمكنك فعل الكثير”). خلال فترة رئاسة جيسكار اتخذت فرنسا بعض الخيارات الدبلوماسية التي صدمت السعودية (يحلل إكزافييه هوزيل، ويقول: “لم يفهم عبدالله لماذا استقبلنا آية الله الخميني. يضاف إلى ذلك أن تقاربنا مع صدام حسين لم يرق له، على الرغم من أنه كان يعرف أن وراء ذلك جاك شيراك خاصة. باختصار، تكون لديه انطباع أننا نقوم بلعبة مزدوجة”). إن انتخاب الاشتراكي فرانسوا ميتران، الذي أدخل وزراء شيوعيين إلى الحكومة، لم يكن مريحاً للقادة السعوديين (كانت أول زيارة لفرانسوا ميتيران إلى الخارج زيارته إلى السعودية عام 1981، من أجل طمأنة قادة المملكة).

قلت لعبدالله: “عليكم العمل مع الرئيس ميتيران”، فأجابني بطريقة بدوية: “ولكنكم خنتم صديقكم جيسكار”. استلم فرانسوا دو غروسوفر مكتب العلاقات الخاصة في الإليزيه مكان فيكتور شابو، وعن طريقه تمت دعوة الأمير عبدالله رسمياً إلى الإليزيه عام 1984 (لم يكن عبدالله يحب كثيراً النشاط السياسي للسيدة ميتيران، ولكنه فهم أن فرانسوا ميتيران أصبح رئيساً، ومن المفيد العمل معه). وإذا كان إكزافييه هوزيل وسيطاً لطيفاً، فإنه في المقابل كان يمتلك ثروة كبيرة. فعندما كان في عزه، امتلك قصراً في منطقة النورماندي زاره فيه ولي العهد السعودي. ولكنه قام بعد ذلك بأعمال سيئة، ويعيش اليوم في شقة متواضعة في ضواحي باريس. ولكن ذلك لم يمنع هذا المتنقل الذي لا يتعب من تقديم تحليلاته عن الشرق الأوسط لزملائه.

حتى بداية العام 2000، حافظ إكزافييه هوزيل على العلاقات مع من أصبح الملك الفعلي للسعودية بدءاً من العام 1995، عندما أعلن عن عدم قدرة الملك فهد على الاستمرار في الحكم بسبب مرضه (يقول هوزيل: “كان عبدالله بدوياً حقيقياً، لديه ذوق الصحراء، ويحب الخيول وألعاب الفروسية. اختاره والده الملك عبد العزيز ليكون رئيس الحرس الوطني الذي يضم قبائل البلد. زوجتان من زوجات عبدالله كانتا تنتميان، في الواقع، إلى قبيلتين رئيسيتين في المملكة، إحداها شمر، والأخرى شعلان”). يضيف هوزيل: “ولكن عبدالله لم يصبح ملكاً إلّا عندما ذهب للتوقيع، عام 2005، على معاهدة كوينسي في هوستن، في الولايات المتحدة، من أجل تمديدها لأربعين سنة جديدة، وهي المعاهدة التي وقعت في 14/2/1945 بين ابن سعود مؤسس المملكة السعودية وبين الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت. لو رفض القيام بمثل هذه الحركة اتجاه الحامي الأمريكي لما وصل أبداً إلى العرش. بعد عودته من الولايات المتحدة، أصبح بإمكان السعوديين خلع الملك فهد. وعلى الرغم من ظاهر الأزمة بين البلدين، في مجالات متعددة، إلّا أنه، إلى اليوم، لا يزال الأمريكيون يقولون للسعوديين ما عليهم فعله”.

*فصل من كتاب (أمراؤنا الأعزاء جداً) للصحفيين الفرنسيين: كريستيان شيسنو وجورج مالبرونو
ترجمة د. غسان السيد
البعث ميديا || صحيفة البعث

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تعليقات