أصداء الجنوب السوري ترددت فــــي هلسنكــــي

 

لا يحق للولايات المتحدة بعد الآن ادعاء التفوق والأحقية بحكم العالم بشكل أحادي، ولا التصرّف مع الدول الأخرى كمحميات أمريكية، باستثناء دول الخليج، هو أمر فرضته حركة التاريخ والنكسات المتعاقبة للدولة العظمى التي تسيّدت البسيطة لأكثر من ربع قرن، وأفضى استخفافها بالآخرين وشنها حروباً عبثية شرقاً وغرباً، جنوباً وشمالاً، إلى انتقالها من فشل إلى آخر وهزيمة تلو أخرى، ولم تخلّف تدخلاتها سوى القتل والدمار والتشريد وسخط شعوب الدول التي استهدفتها.
إذاً، وصول الحالة الأمريكية إلى هذا التردي الذي ظهرت عليه خلال قمة هلسنكي، ليس فقط نتيجة سياسات ترامب وهفواته وتصريحاته، التي ألهبت غضب الشارع الأمريكي، وبلغت حد اتهامه بالخيانة العظمى، ولا أخطائه التي باتت لا تعدّ ولا تحصى، إن كان مع الشركاء التاريخيين، أو في التعامل مع الملفات الشائكة حول العالم، بل هو نتيجة تراكمات على مدار عقود من الزمن لم يسجل فيها الأمريكي أي انتصار حتى وصل به الحال إلى ما هو عليه الآن، وبات لزاماً عليه التسليم بأن مرحلة حكم القطب الواحد قد ولّت إلى غير رجعة، وكما اعتبر انتهاء الحرب الباردة عام 1990 انتصاراً لأمريكا، عليه أن يعترف اليوم بالهزيمة، وأن دولاً صاعدة بينها: وريث الاتحاد السوفييتي ومحور المقاومة، وكل الدول التي ناهضت السياسات الأمريكية هي بالمجمل شريك في رسم خرائط تحالفات الغد المختلفة كلياً عمّا ساد خلال مرحلة الهيمنة الأمريكية على القرار العالمي.
نعم تخلت الإدارة الأمريكية عن حلفائها، وانسحبت من اتفاقات دولية، وأوقفت تمويل منظمات إنسانية كانت تسخّرها لخدمة أجنداتها، والأهم من ذلك أنها أعلنت تخليها عن دعمها للإرهاب الذي استثمرت فيه طويلاً خدمة لمصالحها، وكرمى لعيون “إسرائيل”.. هذا التخلي لم يكن فقط جراء إدارة سيد البيت الأبيض علاقاته الخارجية بعقلية “التاجر” فحسب، بل هو أيضاً جاء نتيجة حتمية بعد أن بلغت عجوزات الخزانة الأمريكية حداً يهددها بالإفلاس، ولعل ديونها للصين تدلل على حجم المأزق الذي وضعت نفسها فيه، وحيث فشلت الجيوش الأمريكية بالأصالة أو بالوكالة في الاستمرار في تنفيذ المخططات المرسومة، وبالتالي فإن العالم اليوم، كما في كرة القدم لا يوجد فيه دولة ضعيفة، فكل من يعمل بجد، ويدافع عن قضايا محقة قادر على حماية علمه الوطني وصون سمعة بلاده، وقادر أيضاً على التأثير في مجريات الأحداث وحتى هزيمة أعتى القوى التي كان يحسب لها حساب فيما مضى من الزمن.
ولعل الهزيمة الأمريكية الأخيرة في الجنوب السوري، واستجداء الكيان الصهيوني العودة إلى اتفاق وقف إطلاق النار عام 1974 بعد انهيار مجموعات الارتزاق والقتل بالأجرة أمام استبسال الجيش العربي السوري، ترددت أصداؤهما خلال قمة هلسنكي، فالأوراق أصبحت كثيرة في يد سورية وحلفائها، ولم يبق لمحور الحرب أية ورقة يستر بها عورة خيباته، بل إنه بات يستجدي المساعدة في لململة أوراقه القذرة التي سلكت طريق العودة إلى بلاد المنشأ لاستكمال مشروعها “الثوري”.
في النهاية، لم يكن سقوط ترامب في هلسنكي الأول من نوعه، فهو لم يستقبل في البرلمان ولا في قصر باكينغهام و10 داونينغ ستريت، ولم تقم له مأدبة عشاء رسمية خلال زيارته لبريطانيا، ولم يكن في استقباله سوى السفير الأميركي، وكذلك امتعاض ألمانيا منه بعد أن وصفها بأنها “أسيرة لروسيا” وحتى حلف الناتو لم يسلم من هجماته… إلخ. كل ذلك يعطي صورة واضحة عن التخبّط الذي تعيشه أمريكا، وربما أنها لا تستحق رئيساً أفضل من ترامب يمثلها في هذه المرحلة التي لم يبق له ملجأ فيها لنفخ عضلاته سوى ممالك ومشيخات الخليج للتعويض عن هزائمه المتتالية.
عماد سالم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تعليقات