“إسرائيل” تتجسس على ترامب

هذا المقال رقم : 30 من 65 من العدد 2018-9-5-16181

 

 

ترجمة: سمر سامي السمارة
عن موقع: AHT 28/8/2018

من دواعي السخرية أن تحقيق “روبرت مولر” بحدوث تواطؤ محتمل بين الحكومة الروسية وحملة دونالد ترامب لم يتوصل إلى أية نتيجة حتى الآن، في حين تستمر الأدلة على التدخل “الإسرائيلي” في النظام السياسي الأمريكي بالظهور دون أن تُبدي وسائل الإعلام أو السياسيون الأمريكيون أي غضب.
على ضوء ما تكشّف مؤخراً بخصوص دفع مبلغ وقدره 10.000 دولار قُدّمت للمستشار السابق لحملة ترامب “جورج بابادوبولوس” في غرفة بفندق “إسرائيلي” في تموز 2017، قدّم “تشارلز تاول”، الذي وصف نفسه بأنه رجل أعمال “إسرائيلي”، الأموال في الاجتماع الذي تمّ عقده بعد سفر “تاول” إلى الجزيرة اليونانية ميكونوس، حيث التقى بابادوبولوس ودعاه للقدوم إلى “إسرائيل” لمناقشة بعض الأعمال التجارية المتعلقة بمشروع النفط والغاز في بحر إيجة. وكان بابادوبولوس قد التقى “تاول” عن طريق المستشار السياسي “الإسرائيلي ديفيد هايفري”، وهو مستوطن متشدّد له علاقات وثيقة بحكومة بنيامين نتنياهو. وافق بابادوبولوس على القيام بذلك، وترك زوجته سيمونا في اليونان.
أخذ بابادوبولوس المال كعربون، ووقّع عقداً لخدمات استشارية إضافية بقيمة 10000 دولار في الشهر قبل عودته إلى اليونان، حيث أعطى المال لصديق محامٍ للاحتفاظ به. وبعد ذلك بفترة وجيزة، سافر إلى مطار دالاس الدولي بالقرب من واشنطن، حيث تمّ اعتقاله في 27 أيار واتُهم بإعطاء إفادات كاذبة لمكتب التحقيقات الفيدرالي، وتمّت إدانته في تشرين الأول، ومن المقرّر إصدار حكم بحقه قريباً.
وفي رسالة بريد إلكتروني، قال هايفري: “ناقشنا المستشارين المحتملين من أجل الأعمال التجارية في بحر إيجة وقبرص والشرق الأوسط، مع التركيز على الأعمال المتعلقة بالهياكل الأساسية للنفط والغاز بسبب شبكة اتصالات تشارلز وتخصّص جورج.. كان العربون سيذهب أولاً لتغطية احتياجات جورج لأنه يعاني من مشكلات مالية، وفق ما قال”.
كما وصف هايفري كيف انهار الاتفاق سريعاً بسبب “عدم نضج” بابادوبولوس، وقال: “بعد ذلك فشل الأمر برمته، عاد تشارلز إلى واشنطن وانتهت القصة”.
في مقابلة مع سيمونا بابادوبولوس كشفت عن العديد من “الشخصيات المشبوهة” التي قالت إنها قابلت زوجها أثناء وبعد حملة الانتخابات الرئاسية لعام 2016. وذكرت “التقينا شخصاً في جزيرة ميكونوس، وهو “إسرائيلي” سافر إلى ميكونوس لمناقشة الأعمال التجارية”، كما التقى بابادوبولوس عدداً من الأشخاص المشبوهين الآخرين الذين كانوا يبحثون لإقامة علاقة ما معه، من بينهم مالطيّ يدعى “جوزيف ميفسود”، وسيرجي ميليان، مصدر مزعوم لملف ستيل الأسوأ صيتاً، والمخبر السري لـ إف بي آي ستيفان هالبر.
يدّعي “تاول” الذي لا يظهر في عمليات البحث العادية، فقط على “لينكد إن”، هو موقع على شبكة الإنترنت يصنّف ضمن الشبكات الاجتماعية، مع عدم وجود معلومات عن سيرته الذاتية، أنه مستشار لشركة تُدعى “غيستومار” في مدينة سيلفر سيبرنغ في ولاية ميري لاند، والتي يبدو أن لا وجود لها. ويُذكر أن بابادوبولوس كان يعتقد أنه جاسوس “إسرائيلي” وكشف عن تفاصيل الاتصال لروبرت مولر، الذي يبدو أنه لم يكترث بالمعلومات.
تمثّل نهج جورج بابادوبولوس باتباع أسلوب تقليدي للتجسّس لتجنيد مصدر. كان بابادوبولوس يواجه صعوبات مالية، وكان الاتفاق لتعيينه مستشاراً لشركة غير معروفة من قبل فرد يستخدم اسماً حركياً، وكان واضحاً أن الجاسوس الجديد سيكون قادراً على تقديم تقرير عن تفاصيل مازالت تحتفظ بها حكومة ترامب، وقد تعرف بابادوبولوس على ضابط الموساد “تاول” من قبل هايفري، المعروف جيداً في الأوساط السياسية، وبالتالي فهو ذو مصداقية ولا يشكّل تهديداً. لذا على المرء أن يتساءل: لماذا تمّ تجاهل المحاولة “الإسرائيلية” المحتملة للتجسّس على إدارة ترامب الجديدة؟!.
أُجبر مايكل فلين مستشار الأمن القومي السابق في إدارة ترامب في النهاية على الاعتراف بأنه كذب على مكتب التحقيقات الفيدرالي حول ما قيل خلال محادثتين هاتفيتين مع السفير الروسي في الولايات المتحدة سيرغي كيسلياك، حيث لا تتضمن المكالمتان المعنيتان أي شيء مطلقاً حول التواطؤ المحتمل مع روسيا لتغيير نتيجة الانتخابات الأمريكية، والذي يُزعم أنه السبب وراء إنشاء مكتب المستشار الخاص لروبرت مولر في المقام الأول. وقعت الحادثتان بعد ما يزيد على شهر من الانتخابات وكلاهما قد بدأها الأمريكيون المتورطون.
أجرى فلين أول مكالمة هاتفية إلى كيسلياك، في الثاني والعشرين من كانون الأول، بتوجيه من “جاريد كوشنر” الذي اتصل بدوره برئيس الوزراء “الإسرائيلي” بنيامين نتنياهو. كان نتنياهو قد علم أن إدارة أوباما ستمتنع عن التصويت على قرار الأمم المتحدة الذي يدين سياسة “إسرائيل” الاستيطانية، وهذا يعني أنه للمرة الأولى منذ سنوات، سيمرّ قرار الأمم المتحدة المنتقد لـ”إسرائيل” دون استخدام الفيتو الأمريكي. وطلب “كوشنر”، نيابة عن نتنياهو، من فلين الاتصال بجميع مندوبي دول مجلس الأمن لتأجيل القرار أو إلغائه. وافق فلين على القيام بذلك، وتضمّنت الدعوة الروس حيث تلقى كيسلياك هذه الدعوة لكنه لم يوافق على حق النقض “الفيتو” ضد قرار مجلس الأمن رقم 2334، والذي تمّ إقراره بالإجماع يوم 23 كانون الأول.
تربط صهر ترامب جاريد كوشنر رجل البيت الأبيض في الشرق الأوسط وعائلته صلات وثيقة مع “إسرائيل” ونتنياهو شخصياً، بما في ذلك بقاء نتنياهو في منزل عائلة كوشنر في نيويورك. قامت مؤسسة أسرة كوشنر بتمويل بعض المستوطنات غير القانونية في “إسرائيل”، وكذلك عدد من المجموعات السياسية المحافظة داخل ذلك البلد. عمل جاريد مديراً لتلك المؤسسة، وأفادت التقارير بأنه فشل بكشف العلاقة عندما ملأ سجل التحقيقات عن خلفيته للحصول على تصريح أمني. كل ذلك يشير إلى أنه إذا كنت تبحث عن تواطؤ حكومي أجنبي محتمل مع الترامبيين، فلا تبحث أكثر.
في الواقع، حاول كوشنر أن يتراجع سراً عن قرار اتخذته الحكومة الأمريكية التي شُكّلت قانونياً نيابة عن نتنياهو، وطلب من مستشار الأمن القومي المرتقب، أن يحثّ الروس لتقويض ما كانت تقوم به حكومة الولايات المتحدة التي لا تزال تتولى زمام السلطة في واشنطن برئاسة باراك أوباما. من الناحية القانونية، يمكن اعتبار هذا بمثابة “مؤامرة ضد الولايات المتحدة” التي استغلها تحقيق مولر ضد “بول مانافورت” شريك ترامب السابق.
تشير روايات بابادوبولوس وفلين إلى أن “إسرائيل”، وليس روسيا، هي التي سعت إلى التواطؤ مع إدارة ترامب وحتى التجسّس عليها، الأمر الذي لا يفاجئ أحداً. لسوء الحظ، على الرغم من الأدلة، فإن احتمالية “التدخل” ليكون التحقيق خاضعاً للكونغرس يبقى بعيد الاحتمال.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تعليقات