الابعاد الاستراتيجية لانتصارات الغوطة

بكل تأكيد ما قبل تحرير الغوطة يختلف كلياً عما بعده ليس فقط من حيث تأثيره المباشر على مجريات الحرب ضد الإرهاب الدولي التي تواجهها سورية وإلحاق الهزيمة بمجموعة من عصابات الإرهاب المدعومة من دول إقليمية وعالمية وبالتالي تحقيق هزيمة تلك الدول، بل كذلك على تركيبة الخارطة الجيوسياسية التي كانت تُعد للمنطقة والعالم من قبل دول كبرى، على اعتبار ان منطقة الغوطة الشرقية كانت آخر معاقل الارهابيين التي تُشكل اوراق ضغط يحركها محور اعداء سورية عبر الوكيل ضد سورية وحلفائها روسيا وإيران، وهذا ما عكس حالة الاستنفار الإعلامي والدبلوماسي الضخم ضد حملة تحرير الغوطة، ترافقت مع هيستريا المسرحيات الكيماوية المفضوحة التي تم كشفها وتعريتها قبل بدء العرض الاول وبالتالي إبطال كل مفاعيلها.

فكما كانت العديد من المناطق السورية التي تم تحريرها من قبل بواسل الجيش العربي السوري محط رهان على هزيمة القوات العربية السورية فيها، وجرى الحديث اكثر من ذلك على ان التنظيمات الإرهابية في الغوطة هي من سيتحكم بالمعادلة السياسية الجديدة في سورية والمنطقة وربما يُساهم نجاحها في تغيير شكل وطبيعة العلاقات الدولية للمرحلة القادمة، من هنا اكد السيد الرئيس د. بشار الاسد في لقائه مع القوات على الخطوط الامامية : بان تقدمكم ولو لمتر واحد سيُغير خارطة العالم…لذلك جاءت انتصارات الجيش العربي السوري و استعادة الغوطة الشرقية إلى كنف الدولة وإلحاق الهزيمة بالتنظيمات الأكثر تطرفاً لتُثبت من جديد بان المعادلات السياسية الاستراتيجية يصنعها من يمتلك الميدان ويتفوق على الاخرين بإرادة الصبر والإيمان بعدالة قضيته، وليس من يحوز على اوهام الإعلام والميديا الإعلامية المأجورة او يتحكم بسطوة المال والسلاح، سيما في ظل وجود قناعة راسخة لدى دول عظمى – روسيا والصين – ترجمت تلك القناعة قراراً تم اعتماده بقوة وثبات منذ بداية الحرب القذرة على سورية يقضي بعدم السماح لأية قوة في العالم ان تجعل من مجلس الامن الدولي جسراً او ممراً لإسقاط الانظمة بالقوة من قبل الدول الاستعمارية الكبرى التي تعودت أن تنتهك حرمات الدول الاخرى لتحقيق مصالحها وأطماعها، وبالرغم من كل التهديدات الامريكية والفرنسية الاخيرة ضد سورية تحت ذرائع استخدام الكيماوي وغيرها، كان قرار القيادة السورية واضحاً وحاسماً ولا رجعة عن تحرير كامل الغوطة مهما كانت النتائج، بعد ان عاشت دمشق وضواحيها حالة من النزيف والتخريب المستمرين لأعوام ماضية نتيجة ألاف القذائف والصواريخ التي طالت المدنيين العزل انطلاقاً من الغوطة، وكانت النتيجة حسم اهم وأخطر مرحلة بأقل من الوقت والجهد المخطط لهذه المعركة، نعم بقي هناك ما يُسمى بـ (جيش الإسلام) الذي لم يعد امامه الكثير من الخيارات بعد ان رفض المغادرة إلى إدلب، فإما ان يستسلم ويدفع بعناصره لتسوية اوضاعهم والعودة إلى حضن الوطن، وإما سيكون مصيره السحق تحت اقدام جحافل ابطال الجيش العربي السوري الباسل..

لانتصارات الغوطة ابعاد استراتيجية عديدة اهمها :

اولاً: لم يعد لمحور اعداء سورية الذي ترأسه الولايات المتحدة وكيل يُحارب عنهم في داخل سورية وبالتالي عليهم في حال تفكيرهم باستمرارية الحرب على سورية ان يدخلوها بشكل مباشر سواء في الجنوب السوري او الشمال، بما يحمل ذلك من مخاطر كبيرة وخسائر غير محسوبة قد تقود لانهيار انظمة بحد ذاتها ضمن هذا المحور..

ثانياً: انتصار الغوطة أغلق الطريق تماماً أمام كل مشاريع التقسيم والبؤر المحمية دولياً، والتفاوض الملغوم وأعطى للحكومة السورية قوة مضافة في أجندتها المستقبلية على أي حل سياسي يُمكن أن يُطرح..

ثالثاً: في ظل عمل حكومي متواصل لتأمين أهالي الغوطة وكل سكان المناطق التي تعرضت للتخريب من قبل العصابات الإرهابية، أظهرت تقصير المنظمات الدولية بكل أنواعها ومسمياتها في دعم السوريين وفق رؤية إنسانية حيادية وكشفت انحياز تلك التنظيمات لمواقف سياسية غير موضوعية ومخالفة لمبررات إنشائها..

رابعاً: استطاعت دمشق ان تؤمن حزام آمان كامل للعاصمة وجوارها يفتح أفق العمل سريعاً في مشروع إعادة الإعمار وبالتالي السير قدماً في التنمية الاقتصادية على كافة الصعد وفتح كل مجالات دعم الاقتصاد الوطني التي أنهكته الحرب وهذا سيُساعد في رفع قيمة الليرة وتحسين قيمتها الشرائية، سيما وأن الغوطة حديقة دمشق الغناء وجزء هام من سلتها الغذائية.

في النتيجة لا بد من استثمار هذا النصر العظيم الذي حققه بواسل القوات السورية المسلحة والحلفاء وقدموا تضحيات غالية لانجازه، وذلك بالعودة سريعاً إلى الدولة ومؤسساتها التي تُعنى بالبشر قبل الحجر وترسخ مفهوم وحدة الوطن ممثلاً بمؤسساته المتنوعة التي تصب جهودها مجتمعة في عودة الحياة الآمنة والكريمة لكل مواطني المناطق المحررة، وهذا يُظهر النصر بصورته الناصعة البياض، ويرفع من معنويات الناس التي عانت ما عانت من تسلط وتخلف وتكفير التنظيمات الإرهابية.

 

محمد عبد الكريم مصطفى

Email:mohamad.a.mustafa@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تعليقات