الاتحاد الأوروبي وإشكاليات المواقف الفوضوية

هذا المقال رقم : 29 من 72 من العدد 2018-9-14-16188

علي اليوسف

تكمن المشكلة الرئيسية في دول الاتحاد الأوروبي أن مجتمعات تلك الدول تواجه مشكلة المواقف الفوضوية للزعماء الذين خرجوا عن السياقات التقليدية المرسومة في العهود السابقة، والتي حددت المسارات العريضة للتحالفات الاقتصادية، والسياسية، وحتى العسكرية.
كان الهدف من تلك المسارات بناء تكتل في مقابل المعسكرات الأخرى، وهو المنطق الذي كان سائداً في تلك الفترة، ولكن مع قدوم رؤساء من خارج ذلك السياق، بدأت المعايير تتغير، وسادت نظرة إلى أن القارة العجوز باتت بحاجة إلى التحديث، لكن التحديث المنشود قوبل بجدار القوى الاقتصادية الكبيرة “ألمانيا”، كما قوبل بالسخرية من قبل الداعم “أمريكا” حتى انقلب السحر عليهم، وبات الاتحاد الأوروبي مهدداً في كيانه، وحتى في وجوده بعد أن أثبت القادة الجدد قلة الخبرة في قيادة دول عظمى، وقلة الحنكة في العلاقات الخارجية، وبالتالي انهيار شعبية هؤلاء الرؤساء إلى مستويات قياسية، وتحول المجتمعات الأوروبية إلى اليمين التقليدي.
حالياً يواجه الاتحاد الأوروبي تحديات أشد من أزمة الديون التي هددت بإغراق منطقة اليورو في وقت سابق من هذا العقد، ولكن منطقياً، لا يوجد سبب يجعل الاتحاد الأوروبي الآن عرضة لخطر التدمير، ومع ذلك، فإن الأوروبيين اليوم أكثر قلقاً بشأن المستقبل مما كانوا عليه قبل عقد من الزمن، فهم غير مقتنعين بأن قادتهم السياسيين يمكنهم الاستجابة بفعالية للمشاكل الحالية، وحتى الآن، فشل الاتحاد الأوروبي في إثبات أنه قادر على معالجة قضايا الهجرة، والأمن، وتنسيق سياسة الطاقة، ومفاوضات بريكست المتوقفة، والتهديد بحرب تجارية عالمية.
في الواقع، يمكن مقارنة عالم 2018 بلعبة فوضوية، وهنا يجب أخذ قمة مجموعة الدول السبع الأخيرة في كيبيك بعين الاعتبار، حيث كانت التجارة على رأس جدول الأعمال، هذا هو المجال الذي ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يكون له تأثير كبير فيه، لكن ممثّليه أضاعوا فرصة ذهبية عندما عرض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي ألف كتاب “الفوضى”، بديلاً للحروب التجارية التي أطلقها: الإلغاء الكامل للحواجز الجمركية، وهنا كان على الأوروبيين استغلال هذا الاقتراح، والإصرار على إبرام اتفاق مبدئي حول مستويات التعرفة الجمركية لمجموعة الدول السبع.
لقد كان من شأن خطوة مماثلة أن تنهي الحرب الباردة، ففي عام 1990، في البيت الأبيض، أعلن الزعيم السوفييتي السابق ميخائيل غورباتشوف بشكل غير متوقع أن عضوية حلف الناتو لألمانيا الموحدة ستؤدي إلى استقرار القارة، وقد استغل الرئيس الأمريكي جورج بوش ومساعدوه هذه الفرصة، دافعين غورباتشوف لإبرام الصفقة بسرعة.
وفي حالة ترامب في مجموعة السبع، كان من المفترض أن يكون اتفاق إلغاء التعرفات جيداً للعالم كله، على الرغم من أن ترامب حاول في وقت لاحق التراجع، لم تكن الحواجز الجمركية عالية بشكل خاص على أي حال، حيث بلغ متوسط التعرفة الجمركية لجميع منتجات الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي 1.6٪ فقط، وسيكون بلوغ نسبة الصفر سهلاً نسبياً، وإشارة قوية لاقتصاد عالمي آمن، دون تصعيد للانتقام، أو تعطيل سلاسل التوريد العالمية، لكن المشكلة الأساسية هي أن القادة الأوروبيين في القمة لم يتمكنوا من الحصول على اتفاق بسرعة كافية للرد في الوقت المناسب، في الواقع أوروبا لديها الكثير من الأجزاء المتحركة، لكن طبيعة الاتحاد الأوروبي معقدة جداً، من أجل السماح لتنسيق مجموعة واسعة من المصالح الوطنية، هذا التعقيد جيد في الأوقات العادية، ولكنه مشكلة في لحظات استثنائية عندما تكون الساحة محمومة.
ويمكن القول: إن الإصلاحات المنشودة للاتحاد الأوروبي معقدة وصعبة، ومكلفة ومتعبة أيضاً، فعلى أرض الواقع، ورغم الإرادة الموجودة لدى الحكومات الأوروبية للإصلاح والترويج لأوروبا القوية، إلا أن هناك القليل من الطاقة والجهد لإيجاد الطرق الناجعة لسلوك التوجهات الإصلاحية، ويعود السبب في ذلك إلى غياب التضامن، وفقدان الثقة، وتضييق النقاش الجدي المثمر بين الفرقاء الأوروبيين، وهو استنتاج يتحدث عنه العديد من الخبراء في الشؤون السياسية والاقتصادية بقناعة كاملة، انطلاقاً من أن أي تغيير ممكن ستكون كلفته الأكبر على دول محددة، ألمانيا مثلاً، في ظل الأزمات والركود الذي تعيشه الدول الأوروبية، وبينها فرنسا.
وإلى جانب الهم الاقتصادي، تظهر التحديات الأمنية إلى الواجهة بعد انتشار موجة التطرف المدعوم من عدد كبير من دول الاتحاد الأوروبي، ففي أول تقييم أمني منذ 16 عاماً، يقول الاتحاد الأوروبي إنه بناء على تقييم شامل للسياسة الأمنية للاتحاد منذ عام 2001، وأيضاً مع التركيز على الثغرات والتحديات المتبقية التي يتعين التصدي لها، فإن التنفيذ غير الكامل للسياسات القائمة يشكّل تحدياً، وكذلك التهديدات المتطورة مثل التطرف، والجريمة السيبرائية التي تتطلب إدخال تغييرات على السياسات واللوائح الموجودة حالياً.
عن هذا التقرير المرحلي للاتحاد الأمني الذي نشرته مفوضية بروكسل، وهو التاسع من نوعه في مجال الاتحاد الأمني، قال المفوض الأوروبي المكلف بالأمن جوليان كينغ: إن التقييم الشامل يفي بالالتزام الذي قدمته المفوضية للبرلمان الأوروبي لإجراء مراجعة شاملة للسياسة الأمنية الأوروبية، وهي الأولى منذ 16 عاماً، وهناك بعض الدروس المهمة، بما في ذلك الحاجة إلى المزيد من سرعة التحرك للرد على المشهد المتطور للتهديدات.
أمام جميع هذه اللحظات، يبدو الاتحاد الأوروبي مثل امبراطورية هابسبورغ، وهي سفينة معقدة من الجنسيات، امتلكت امبراطورية هابسبورغ صفقة كبرى محتملة، وهي عملية إعادة تنظيم سياسية كبيرة كان من شأنها تغيير الوزن السياسي لجنسياتها، وبدلاً من ذلك، بدأت النخبة السياسية تصدق أنه لا يمكن حل مشكلة سياسية خارجية إلا في هذا الحدث، لكن الحرب العالمية الأولى لم تكن حرباً قصيرة، وبعيداً عن إنقاذ الامبراطورية، تم تدميرها.
بعد عام 1918، ارتفع الحنين إلى الامبراطورية القديمة، بدا الأمر أفضل، وأكثر تسامحاً، وأكثر قدرة من مجموعة الدول القومية المتنافسة، إذاً يجب على الأوروبيين اليوم أن يأخذوا درساً من هذه التجربة، إذا سمحوا للخوف من الحاضر أن يستمر في خنق العمل، فقد يجدون أنفسهم قريباً يرغبون في الحصول على فرصة متلاشية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تعليقات