البوصلة الوطنية و”غواية” الامتياز

 

إن كنّا مطمئنين الآن للنيات الرسمية، بشأن التوطئة الحقيقيّة لبيئة توظيف الرساميل المحلية والأخرى الجاهزة للتدفق نحونا، وتعود لسوريين مهاجرين، وهي بمئات مليارات الدولارات، فهذا عنوان عام وعريض، إن كان لازماً فإنه لا يبدو كافياً، في سياق واقع يحفل بالتفاصيل والمتناقضات والأوراق المختلطة والمتداخلة، إلى حدّ يجب أن يستفز مشاعر القلق، وبعدها جهود إعادة ترتيب واستدراك سريع وغير متسرّع لمفردات عموم بيئتنا الاستثمارية.

هي استحقاقات ليست بغائبة عن أذهان العاملين في “مطبخ القرار التنفيذي”، ولا نظن أن المعالجات ستكون بذلك القدر من الصعوبة الذي يحول دونها، فنحن أمام مكنة قرار يجب أن تكون طيّعة في خدمة أولويات كثيرة تغصّ بها المرحلة المقبلة، بل المرحلة الراهنة، إن أردنا واقعية التفكير والتنفيذ، وكان فيما رشح مؤخراً من توجيهات عن كواليس لقاء رئيس مجلس الوزراء برجال الأعمال السوريين في مصر، تأكيد على الملامسة الفعّالة لاحتياجات الدفع ببيئة الأعمال نحو الأفضل والأفضل بكثير، فقد كانت الرؤية واضحة ولائحة المطاليب تحوّلت إلى خارطة طريق، وهذا مطمئن جداً.

إلّا أن ثمة مشكلة، ربما هي الأكثر تعقيداً، تتصل بحالة تنازع بدأت تظهر ملامحها بين كبار الحائزين في “نادي أصحاب الأموال” ، ثم بينهم وبين أولئك الذين يقفون وراء الحدود، ويتطلعون نحو مطارح الفرص التي ستكون مآلهم الاقتصادي في سياق الحالة الوطنية التي تحاول الحكومة إرساءها حالياً، تنازع يعود في أساسه إلى خصلة قديمة متأصلة في عالم الأعمال، تختصرها المجتمعات ذات الموارد الحرفية بجملة “عداء الكار”، وهي خصلة خطيرة إن سمحنا لها بإسقاطات واسعة الطيف على الأرض، خصوصاً في هذه المرحلة التي تتطلب جهود الجميع، بما أننا اتفقنا تماماً واقتنعنا بأن “لن يعمّر سورية إلّا السوريون أنفسهم”، وتحت هذا الشعار الاستراتيجي فعلاً علينا أن نعمل.

الواقع أن كل طرف يعتقد أنه “حجر أساس” في مشروع إعادة الإعمار، فمن هم في الداخل كانوا جزءاً من صمود البلاد اقتصادياً، ومن في الخارج يدركون جيداً حجم الحاجة لهم في خضم رحلة مضنية نحو “سورية ما بعد الأزمة”، واللافت أن الطرفين يدفعان بمفردات معبرة عن الحالة الوطنية إلى مقدمة تصريحاتهما في التعبير عن توجهات “البزنس الشخصي”.

الخطورة في الموقف هنا أن المسألة تسير، كما تبدو ملامحها، في اتجاه غير تنافسي، بل استحواذي حقيقي قد يفوّت على البلاد فرصاً هي بأمس الحاجة لها، لذا لا يمكن ترك حالة التفاعل السلبي هذه تنحدر باتجاه النطاقات الضيّقة، المفعمة بالاعتبارات النفعية الشخصية، بل لا بدّ من معايير وطنية بحتة تصوغها الحكومة، تضمن توزيع الأدوار والفرص معاً، وتفعيل كل ليرة واحدة يملكها السوريون في خدمة المشروع التنموي الشامل، وهذا يتطلّب فوراً إعداد لائحة أولويات استثمارية تنموية حقيقية، دون ترك الرساميل تتدحرج نحو الفرص الريعيّة السهلة والمغرية بعائداتها المجزية، ولعله من المفيد أن يكون هذا النوع الأخير من التوظيفات، هو المثقّل – إن صح التعبير – أو المكافأة والامتياز الذي يُمنح لمن وطّنوا أموالهم في المضمار التنموي الإنتاجي، لا سيما في الصناعة التحويلية والزراعة والتصنيع الزراعي.

في بلدنا الكثير من الميزات والفرص المهدورة، التي نأت عنها الرساميل طويلاً باتجاه فرص الريع والاستثمار الأجوف، فكانت خسائرنا كبيرة جرّاء عدم القدرة على خلق حالة من التكامل بين مجمل حلقات الإنتاج.

نحن الآن أمام فرصة حقيقية لإعادة تشكيل وعي وثقافة الاستثمار، بقرار حكومي هذه المرة، وعلينا أن نتيقن من أن بيئة الاستثمار في سورية، من أكثر البيئات العربية جذباً بميزاتها الطبيعية ومواردها البشرية، وهي تتكفل باستقطاب التوظيفات، شرط أن نحسن إدارتها بعد ” تنقيتها من الشوائب”… كل الشوائب.

ناظم عيد

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تعليقات