الجديد واللا جديد في سوتشي

يحق لمؤتمر سوتشي ولبيانه الختامي أن يملأ الدنيا ويُشغل الناس قياساً إلى تعثّر مسار جنيف من 1 إلى 9 في فيينا. فعلاوة على الحضور الأممي في سوتشي والاتفاق مبدئياً على أنه مكمل وداعم للمسار السياسي لحل الأزمة في جنيف وغيرها، فقد جاء بيانه الختامي ليشكّل نقلة نوعية لدعم هذا المسار.

فقد شق المؤتمر طريقه بنجاح رغم الصعوبات البالغة وصولاً إلى الانعقاد، وتنوّع الحضور، وتشكيل اللجان، والبيان الختامي وسط التحديات والعقبات العديدة المعروفة التي واجهته. فالغرب والرجعية العربية برعايتهم للإرهاب وللإرهابيين واستثمارهم  فيه كانوا ومازالوا يضمرون خشية  وقلقاً من أي مسار تدعمه روسيا سواء في أستانا أو في سوتشي، ولهذا يتمسّكون ببغاوياً بجنيف، وهم يغضون الطرف ويتجاهلون تجاهل العارف القلِق من المتغيرات على الأرض التي أنجزها صمود الدولة الوطنية السورية جرّاء تحالف الشعب والجيش والقيادة. هذا الصمود لايمكن إلا أن يكون لمنجزاته آثار واضحة ومتجددة ومتطورة في مسار الحل السياسي.

في بيان سوتشي هناك الجديد، وفيه اللا جديد أيضاً.

< أما الجديد، وهو غير  قليل، فلعلَّ من أهمه التأكد من أن الرعاية الروسية والدعم للمسار السياسي الواضحين في أستانا وسوتشي هي الأفضل والأنجع لوقف نزيف الدم والدمار والخراب في البنى التحتية والفوقية للشعب وللدولة السورية قياساً للرعاية الأممية أو الأمريكية وتوابعها.

فالرعاية الأممية المرتبطة بجنيف وفيينا ونيويورك.. وما شابه، لم يعد السوريون ومعهم شعوب الأرض يثقون بها، فلا عاقل اليوم يراهن على قدرة الأمم المتحدة في حل الأزمات أو إعادة الحق والحقوق، مع أن وثائق سوتشي ستُسلّم إلى الأمم المتحدة، ما يجعل من تنفيذ بيان سوتشي مقدمة لتشكيل ملامح جديدة لمجتمع دولي أو لنظام عالمي جديد.

ومن الجديد أيضاً تأكيد أن الشعب السوري هو الذي يقرر بنفسه مستقبله من خلال الحوار واللجان وليس من خلال الاحتكام إلى المال السياسي – البترودولار – وإلى السلاح  والإرهاب، وأن الذين قاطعوا المؤتمر ليسوا معارضة معتدلة أو وطنية وإنما هم أنصار الإرهاب والتطرف، بل إنهم إرهابيون إذ ليس فيهم معارض وطني حقيقي على الإطلاق – وهذا ماسيقرره ويؤكده الشعب والمستقبل والتاريخ أيضاً – وسيكونون خارج مستقبل سورية لاستمرارهم في عرقلة نضوج الحل السياسي ولتهديدهم الأرعن لمن سيحضر سوتشي.

كما أن المؤتمر جدد التأكيد على أن المقاطعين ليس لهم رصيد في الشارع السوري، ومقاطعتهم أسهمت في تجريدهم بالتدريج من نقاط القوة التي كانت تهبهم إياها مؤتمرات جنيف، وهذا ماسيحشرهم في زوايا معزولة وكئيبة وخائبة على خارطة رسم مستقبل البلاد.

ومن الجديد في المؤتمر إحباط مساعي دمج الوطني مع الإرهابي في صف واحد في جنيف وغيره سواء في ملتقى برلين أو وثيقة واشنطن الخماسية اللتين سبقتا سوتشي، فهذه مساعٍ فاشلة بل مستحيلة التحقق، إذ لا يمكن أن يتفق الوطني مع الإرهابي لا على أرض الوطن ولا في المؤتمرات خارجه مهما كانت الرعاية والضغوط وذلك ولأسباب واضحة من أهمها اختلاف القيم والمفاهيم والمرجعيات.

فالإرهابي «المعارض المقاطع» طالما اشتغل الآخرون على توسيع دائرة مسح الذاكرة الوطنية من عقله وإحلال ذاكرة معادية مكانها قابلة للنمو والارتهان للعدو التاريخي للوطن وللعروبة، وهذا ما يتولّد عنه تصادم يستحيل معه تكوين مجتمع وطني متجانس قابل للاستقرار والتطور.

ومن الجديد والمهم في المؤتمر توجيه التحية إلى الجيش العربي السوري في كلمة الافتتاح، والتأكيد في البيان الختامي على المحافظة عليه وقيامه بواجباته.

< وأما اللا جديد في بيان سوتشي، فهو غير قليل أيضاً، ولعل من بعضه أن ماورد في البيان الختامي من تركيز على «وحدة الأرض والشعب، وعلى اللا طائفية في المجتمع والدولة وعلى الحفاظ على الإرث الوطني واحترام الاتفاقات الدولية، وعلى رفض الإرهاب والتعصب والتطرف والتفرقة الدينية وامتلاك الشعب حقه باختيار نظامه السياسي والاقتصادي الاجتماعي بطريقة ديمقراطية.. إلخ». هذا جميعه مُقرّ وغير مُتجاهل أبداً في الدستور السوري القائم، والدساتير التي سبقته. فلطالما عرفنا وعرف غيرنا معنا عراقة التقاليد الدستورية السورية وحصافة المشرّع السوري ووطنيته.

فنحن في سورية الآن شعباً ومؤسسات ونظاماً سياسياً واقتصادياً واجتماعياً لسنا حركة تحرر وطني وصلت اليوم إلى الحكم. نحن السوريين الذين أنجزنا سويةً الجلاء في 17 نيسان 1947 والوحدة مع الشقيقة مصر 22 شباط 1958، وثورة 8 آذار 63، وترسيخ النظام السياسي في 23 شباط 1966، وتكامل ذلك واستقر وازدهر بجهود جميع الوطنيين والعروبيين في 16 تشرين الثاني 1970.. إلى أن كانت سورية في أبهى ما تكون عليه المجتمعات والدول قبل العدوان عليها مطلع 2011 .

إضافة إلى التنويه بأهمية المبادرة الوطنية لحل الأزمة التي تضمنتها كلمة القائد الأسد في 6/1/2013 والتي لا تجعل سوتشي يحمل جديداً كثيراً.

نحن في سورية كنّا ولا نزال نفخر بتقاليدنا الوطنية والقومية التقدمية العلمانية المدنية واللا طائفية الراسخة التي طالما عزّزها توسيع دائرة المشاركة -جداً- في اتخاذ القرار، أي قرار.

ونحن في سورية الحديثة والمعاصرة لم يكن لدينا مشكلة مع المعارضة الوطنية بأطيافها العديدة، لقد كانت مشكلتنا دائماً مع التطرف والتكفير والإرهاب، وستبقى هذه المشكلة قائمة كما اتضح في سوتشي وقبله، وبعده.

وعليه، فنحن كقوى وطنية تقدمية يجب أن نكون ونبقى مستعدين لخوض معركة تحرر وطنية وقومية جديدة، وبطعم آخر، خلف القائد الأسد نواجه فيها كما واجهنا -ولطالما- الاستعمارين القديم والجديد ومعهما الحلف الصهيوأطلسي الرجعي العربي بما في ذلك مخلفات التطرف والتخلُّف والتكفير والإرهاب.

د. عبد اللطيف عمران

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تعليقات