الحرب على سورية والتحكم بقواعد الاشتباك؟

جرت العادة أن تتقدم حكومة الجمهورية العربية السورية بشكوى في برقيتين متماثلتين لكل من الأمين العام للأمم المتحدة ورئيس مجلس الأمن الدولي في كل مرة تتعرض أراضيها لعدوان صهيوني، كما تُصدر بياناً تحتفظ لنفسها بحق الرد في الزمان والمكان المناسبين، وقد اعتبر اغلب السوريون بان العمل وفق هذه الاجندة المتكررة تعبيراً عن بعض الضعف الذي يعتري امكاناتها العسكرية، سيما بعد سبع سنوات من الحرب القذرة المباشرة التي يواجه فيها الجيش العربي السوري قطعان الإرهابيين الوافدين من كل بقاع العالم بإشراف ودعم مباشرين من قبل الولايات المتحدة وحلفائها في الغرب الاستعماري، وتمويل وتسهيل من دول إقليمية على رأسها السعودية وقطر وتركيا.

كلنا يتذكر منذ بداية الحرب على سورية محاولات الإرهابيين المتكررة والمستميتة في استهداف مراكز الدفاع الجوي والقوى الجوية (مطارات – طيارين- رادارات – مراكز استطلاع متقدمة) تنفيذاً لتوجيهات غرف العمليات المعادية التي تقود الحرب وترعاها الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وضباط صهاينة في كل من الاردن وتركيا، وفعلاً تمكن الإرهابيون من السيطرة على مطارات ومواقع كثيرة من القواعد العسكرية حتى منتصف عام /2015/ واستطاعوا تعطيلها عن الخدمة دون ان تتُيح لهم قيادة الجيش العربي السوري الاستفادة من اي منها من خلال منع وصول الشيفرة التشغيلية للعصابات او تدميرها مسبقا.

جاء اسقاط الطائرة الصهيونية (F16) في صبيحة العاشر من شباط الجاري بصواريخ سام السورية من على ارتفاع شاهق فوق اراضي الجليل المحتلة ليُغير كل المفاهيم والتحليلات التي اعادت تقييم رؤيتها حول السياسة السورية التي اثبتت حكمة عالية في مقاربتها للواقع من جهة، وبين الحنكة السورية في التعامل مع القضايا الاستراتيجية وتكييفها مع الامكانات الموضوعية في الزمان والمكان من جهةٍ اخرى، لتأتي ساعة الحسم التي شكلت نقطة تحول هامة في سياق الحرب على سورية مع انطلاق عملية المواجهة المباشرة مع العدو الاصيل بعد الانتهاء من دور الوكيل وقرب القضاء على التنظيمات الإرهابية الرئيسية (داعش وجبهة النصرة) على الارض السورية، وبالتالي إعادة تحديد آلية التحكم بقواعد الاشتباك على الارض.

الحدث بحد ذاته حاز على اهتمام وسائل الإعلام العربية والعالمية بشكل ملفت وذلك لأنه ليس حالة اشتباك عادية، بل يُمثل تحول استراتيجي في طبيعة ونوعية المعركة، كما يوجه رسالة كبيرة للعالم بأسره تُشير بان الجيش العربي السوري اتم إعادة بناء قدراته العسكرية بشكلٍ متكامل بما فيها منظومة الدفاع الجوي التي استعادت موقعها الطبيعي في تكامل المشهد العسكري مع بقية القوات بما يُتيح للجيش السيطرة على الجغرافيا السورية ارضاً وبحراً وجواً، وبات قادراً على اتخاذ قرار الردع الفوري في مواجهة العدو كائنا من كان، فكيف إذا كانت الـ(إف 16) ذات المستوى الفني والقتالي العالي؟ وقد انتشر خبر اسقاط المقاتلة الإسرائيلية وصدى مفاعيله الايجابية بسرعة هائلة ليس في الشارع السوري الذي تلقى الخبر بنشوة افتقدها لعقودٍ سابقة فحسب، بل كذلك على ساحة الوطن العربي الذي تلقى الخبر بترحيب واسع واصطف سريعاً خلف رؤية القيادة السورية القائلة: بان بوصلة الصراع العربي الحقيقية هي باتجاه العدو الصهيوني المغتصب لفلسطين المحتلة وليس في اي اتجاه آخر.

من الناحية الاستراتجية جاء قرار اسقاط الطائرة الإسرائيلية رسالة واضحة الابعاد للمحور المعادي لسورية، ولضرب المشروع الامريكي التقسيمي التخريبي في الصميم الذي يُناور عبر طرح كافة الاوراق التي يخترعها ويتخيلها العقل الامريكي ألاستكباري (وثيقة الخمسة او تشكيل قوات حرس الحدود او دعم المشروع الكردي الانفصالي او تقاسم النفوذ الدولية في سورية او حكم محلي ذاتي تحت انتداب اممي او غيرها من التسميات المرفوضة) لتعطيل الحل السياسي في سورية الذي تم وضعه على السكة الصحيحة في سوتشي الروسية، ورفض اي دور لأمريكا تحاول فرضه في السياسة بعد الهزائم المتلاحقة التي يتلقاها عملاء الولايات المتحدة في الميدان يومياً، وكان آخرها تحرير مطار ابو الضهور وتنظيف ريف حلب وحماه بالكامل من تنظيم داعش، حيث كان الرد السوري على الخطط الامركية – الغربية المشتركة الاستعمارية بضرب الحلقة الاقوى في راس الحربة العسكرية (سلاح الجو الصهيوني)، ليس رغبةً بالحرب، بقدر ما هو تأكيدا على امتلاك محور المقاومة وفي مقدمته الجيش العربي السوري لعناصر قوة الردع التي تمنع الحرب وفي حال حصولها امتلاك عوامل تحقيق النصر بكل ابعاده.

 

محمد عبد الكريم مصطفى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تعليقات