الحوار.. الثقافة الحاضرة الغائبة

قد يبدو الحديث عن “ثقافة الحوار” للوهلة الأولى مطروقاً وإن صحّ القول عادياً، لكن الوقائع تثبت فقر حواراتنا نوعياً واكتنافها على مشاكل كبرى تجعل منها أحاديثاً عقيمة و”جعجعة بلا طحين”، حيث يطول حديثنا عن مفهوم الحوار وأهميته كوسيلة للتواصل الإنساني وأسلوب للتفاهم ونقل الأفكار والنقاش، بناءً على أساليب علمية تسير مسالك الإقناع والجدل العلمي القائم على أسس ومعايير واضحة تفضي في النهاية إلى التفاهم والتوافق وحل المشكلات.

يعرّف الحوار اصطلاحاً على أنه الحديث بين طرفين أو أكثر حول قضية معينة تهدف للوصول إلى الحقيقة بعيداً عن الخصومة والتعصب بل بطريقة علمية وإقناعية، لكن الإشكالية الكبرى لم تعد في تحديد مفهوم الحوار وأهميته، فيمكن للكثيرين اليوم كتابة صفحات ومقالات طوال فيما يتعلق بأهمية الحوار والدور الذي يلعبه في التفاهم وبناء الوعي لدى مختلف أطراف الحوار، ولكن ذلك لا يتجاوز الإطار النظري والجامد ما قبل التطبيقي، لنأتي إلى صلب المشكلة وجوهرها الكامن في الإطار التطبيقي العملي الذي يغدو قولاً فصل وشاهد عيان هو الأصدق والأوفى في التثبت من صحة ما جاء في حديث أولئك الكثيرين عن مفهوم الحوار وأهميته وبشكل لا يقبل الشك عن مدى قدرتهم على تحويل النظري إلى عملي أي قدرتهم على الانخراط في الحوارات وإثبات جدواه وفاعليته بالفعل لا بالقول فقط.

وتثبت وقائع كثيرة، أبسطها ندوات ومؤتمرات على مستوى المؤسسات والفعاليات الثقافية والمجتمعية، وأعقدها حوار الحضارات وحوار الأديان، أنّ الحوار لا يزال لدينا حبيس إطار نظري مكبّل بالأغلال ولا يتطلع الكثيرون لتحريره وفكّ أسره، لذلك ينبغي وضع أبسط تلك الوقائع تحت المجهر وتحليل مشكلة “فقر الحوار” القائمة لدينا، والوقوف على أبرز أشكالها وأسبابها للتوصل إلى استراتيجيات لإغناء الحوارات بجميع مستوياتها وتحقيق إنجاز على مستوى وعي الأفراد بضرورة التواصل الصحيح مع الآخر وتقبله.

وتبرز مشكلة “الشخصنة” كمدمّر للحوار وحَرف له عن مساره العلمي البنّاء والهادف إلى معالجة قضية ما أو التوصل إلى حل مشكلة، حيث نرى الكثير من الحوارات، سواء على مستوى الاتصال المباشر أو ضمن وسائل الاتصال الجماهيري، قد تحولت إلى ما يشبه “منازلة أو معركة” نتيجة تحويل أحد أطراف الحوار المسألة من إطارها العام إلى إطار شخصي لا يتعدى حدود الأفراد المتحاورين وتغيير اهتمام الحديث من القضية الكبرى والهدف الأساسي للحوار إلى نزاع أو شجار يطعن في شخصية الطرف الآخر أو في عرقه، لونه أو انتمائه وطائفته وما إلى ذلك..

وباتت الفضائيات العربية تعجّ بحوارات على هذه الشاكلة تبدأ بطرح فكرة أو قضية للمعالجة ليتحول الحوار في النهاية إلى صراع ونزاع بين طرفي الحوار لخلاف شخصي بينهما، ولذلك أمثلة كثيرة ولاسيما برامج “التوك شو” الساخنة التي فهمها الإعلام العربي على أنها ساحة صراع بين المتحاورين، فأفرغت من محتواها وتحولت لمجرد مشادّات وصراخ قد يتطور إلى شجار و”ضرب بالكراسي”.

في الضفة المقابلة لـ”ثقافة الحوار” تقف الثقافة الإلغائية الإقصائية لتفعل ما تفعله في إعاقة معالجة القضايا وحل المشكلات، فيغيّب أحد أطراف الحوار ويُجتَزأ الحديث ويظهر الرأي الواحد مسيطراً على حساب باقي أطراف الحوار المغيّبة.

ولذلك علاقة لا شك فيها بالتعصب، ولا يقصد هنا التعصب الديني أو التعصب للقبيلة والعائلة، وإنما يقصد التعصب الفكري: التعصب لفكرة أو رأي والدوران حولها والإقرار بخطأ كل ما سواها من أفكار وآراء، ويبدو ذلك واضحاً في غالبية الفضائيات العربية التي تكتفي بعرض وجهة النظر أو الرأي الذي يرضي غرور سياساتها وتظهره بمظهر الصواب وتنزهه عن المعارضة أو الاختلاف معه، وإنّ في ذلك إيقاف للعقل وتنازل عن حقه في التفكير وتقليب جوانب الصواب والخطأ للتوصل إلى حكم نهائي منبثق عن تفكير حر ورؤية شاملة لجميع جوانب الموضوع أو الفكرة وليس حكماً مسبقاً.

للمشكلة بُعد آخر يتمظهر في وهم المعرفة واحتكار الحقيقة، بحيث يظن أحد أطراف الحوار أنه عارف بالقضية، فيما يؤكد الواقع عكس ذلك بعد طرح وجهات النظر والأخذ والرد، في حين يظن طرف آخر أنه وحده من يمتلك الحقيقة والصواب!

ولا يخلو أي حوار حول مسائل دينية من احتكار الحقيقة ووهم امتلاك مفاتيح العلم وأسراره، وفي ذلك تجلّي حقيقي للتعصب والجمود الفكري والانغلاق على الذات، بحيث يظهر بعض رجال الدين من مختلف الديانات والطوائف على أنهم مالكو المعرفة ووحدهم عارفون بالله وبالطريق إليه فيما قد لا يكون أي منهم مطّلعاً على ما جاء في تعاليم وعقائد الديانات الأخرى!

والغريب أن معظم الفلاسفة والمفكرين تركوا الحقيقة معلّقة وقالوا بأن المعرفة نسبية لا يمكن تحديدها وحصرها أو بمعنى آخر الوصول إلى المعرفة الكاملة، فيما يصرّ الكثيرون من مدّعي المعرفة على أنهم وحدهم يمتلكون الحقيقة وأنهم يستحوذون على “سر الوصفة”، ألا يشكل ذلك بحدّ ذاته حماقة كبرى؟!

▪كيف يمكن للحوار ان يكون مثمراً؟

إن عدم وجود حوار بين الأفراد أو الجماعات مشكلة بحدّ ذاتها، لكن المشكلة الأكبر هو أن يكون هناك حوار غير ذي فائدة أو جدوى، لذلك من الضروري المساهمة في بناء الوعي المجتمعي حول ضرورة “جدوى الحوار”، أي أن يكون مثمراً وبنّاء.

في الدرجة الأولى ينبغي في أي حوار تحديد الخطوط العريضة التي سيتمحور حولها الحديث مع وجود أهداف محدّدة مرجوّة منه، ليتم تكريس ذلك في أذهان المتحاورين لئلا يشطّ أحدهم عن تلك المحاور أو الخطوط العريضة.

ومن المهم أن يتجنب المتحاورون إصدار أحكام مسبقة حول بقية أطراف الحوار وحول الحوار تحديداً فيما يتعلق بجدواه وأهميته وقيمته، فالجميع على مسافة واحدة من الحقيقة وليس لأحد أن يتطاول على حق الآخر في المعرفة أو في المشاركة بالحوار وإبداء الرأي.

ونرى في أغلب الأحيان أن غياب التصور الذهني لدى أطراف الحوار عن بعضهم البعض قد يوقع في شرك إفقار الحوار وتجريده من قيمته، والذهاب به إلى الشخصنة أو إلغاء الآخر، لذلك ينبغي في المقام الأول الانفتاح على الآخرين سواء كان ذلك على المستوى الفردي أو الجمعي في مستوى الجماعات المدنية أو الدينية.

أخيراً، يمكن، عند إدراك حاجة كل من أطراف الحوار له وما يتحقق له من فائدة عند تحقيق حوار مثمر وذو نتائج جيدة، أن يسهم كل منهم في إغنائه والعمل على الارتقاء به دون تجريح الآخر أو إقصائه أو الانتقاص من قيمته أو قيمة الحوار القائم.

وبإسقاط حاجتنا -كسوريين- للحوار اليوم، نرى إنه من المهم فعلاً إدراك مشاكل حواراتنا من قبل الجميع وفق ما أسلف الحديث عنه والتوقف عندها ومحاولة علاجها بالانفتاح على الآخر والاطّلاع على الأفكار والثقافات الأخرى لتكوين قنوات اتصال على مستوى مختلف شرائح المجتمع وفئاته أو على مستوى الأفراد ترتقي بواقع الحوار أولاً وتفضي تالياً إلى مجتمع واعٍ متسامح عارف بمصالحه المشتركة وعامل على تحقيقها.

ريناس إبراهيم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تعليقات