الدروس المستفادة من “الأيام” السورية

ربما يكون السبب الأبرز والأكبر لمآسينا المتناسلة في المنطقة أننا، كعرب، لا نستفيد من تجاربنا السابقة لسبب بسيط وواضح نحن لا، ولم نقرأ التاريخ كوحدة كاملة متكاملة أسباباً ونتائج، أو ننظر إليه كنهر يسير للأمام للاستفادة منه، بل تعاملنا معه، وفهمناه كأيام منفصلة، ليس لها ما قبلها، ولا نبالي بما سيكون بعدها، وهي قراءة لا تسمح في النهاية لمياه نهر التاريخ الخاص بنا سوى الجريان إلى الوراء، وتلك سمة من يتحضّر للخروج من الجغرافيا بعد أن خرج من التاريخ منذ أمد بعيد.
وأحدث مثال على ذلك هو ظنّ البعض، في الداخل والخارج، أن إسقاط الأنظمة هو “يوم” واحد، لذلك سارعوا إلى تقاسم غنيمة ما بعده حتى قبل أن يتحقق، وحين تأخّر هذا الـ”يوم” بحكم حقائق موضوعية غفلوا عنها، تنادوا في “يوم” آخر لطلب السلاح، ثم إلى تأجيج الطائفية في “يوم” ثالث، ثم كان لهم “يوم” رابع لطلب التدخل العسكري الخارجي، تحت وهم سائد بأن الدول العظمى – التي كانت تسعى وتعمل للوصول إلى أيامهم هذه – تعمل بإمرتهم، وحين وصلوا إلى النتيجة التي كانت واضحة لكل ذي عينين، وآخرها “يوم” الجنوب السوري، خرج أحد “منظّريهم” ليطالب، من جهة أولى ومن مقره الآمن طبعاً، باستمرار الحرب حتى آخر “درعاوي”، وليفتي، من جهة ثانية، بأن الهزيمة كانت بسبب “يوم” آخر من التوافقات بين حلفائه وخصومه، “ذلك أن تواطؤاً عليه شاركت فيه كل القوى والدول المحيطة به”، كما قال.
والحال فإن الرجل، وأشباهه، يتجاهل في نظريته هذه أربع حقائق تفقأ عين الشمس، أولها أن “يوم” الجنوب هو ثمرة لمسار طويل من “أيام” متعددة تراكمت فيها، وبسببها، أسباب الصمود والقوة لدى خصومه، وثانيها أن التفاهم الحالي المزعوم الذي ارتضى به حلفاؤه لم يكن ممكناً لولا الحقيقة الأولى التي أنتجت واقعاً جديداً يقول: إن هزيمة “المسلحين” في سورية قد تقرب “يومهم” هم، وهذا ما فضحه بالأمس رئيس وزراء الأردن حين صرّح بخوف بلاده من دخول جماعات مسلحة تختبئ بين النازحين إليها، والثالثة أن التجارب السابقة في المنطقة والعالم أثبتت أن “المتغطي بالأمريكي عريان”، كما قال رئيس عربي سابق اكتشف هذه الحقيقة بـ “لحم” كرسيّه الرئاسيّ الحيّ، والرابعة وهي الأهم، أنه كان عليهم وقبل كل شيء آخر الاستفادة من قراءة “يوم” العميل “الإسرائيلي” “أنطوان لحد” حين تركته مشغّلته في “يوم” واحد أيضاً.
بيد أن الدروس المستفادة مما سبق يجب ألا تقتصر على طرف دون الآخر، فعلى جميع السوريين، بغض النظر عن توجهاتهم المتباينة ومواقعهم المختلفة في هذه الحرب الطاحنة، أن يتبصّروا فيها كي لا تكون “يوماً” آخر من أيامنا الضائعة والمؤسّسة لأيام أخرى أسوأ منها، وأهم هذه الدروس يقول: إن إنهاء الحرب، في سورية وعليها، ليس “يوماً” عسكرياً فقط، فالتاريخ يقول: إن “اليوم” الذي يلي توقف آلة الحرب أصعب وأخطر مما قبله، وقد بدأت ملامح معاركه بالظهور عبر البوابة الدستورية الرئيسية – التي يجب أن تكون “يوماً” سورياً خالصاً وجامعاً بامتياز – وتحديداً عبر محاولات البعض، جهات أممية مثلاً، التلاعب بالأسماء والنسب تبعاً لإرادة “الممولين”، وصولاً إلى التدخل المعلن لـ “دسترة” توجّهات مناطقية وطائفية ومذهبية مغطّاة بكلمة “مدنية”، وهي توجّهات تفتفتية تقسيمية في المحصلة، وتسويقها في مؤتمرات “جامعة” تعقد برعايتها هنا وهناك.
بهذا المعنى لا يجب أن يكون “يوم” درعا القادم على غرار ما سبقه فقط، فعلينا أن نقرأه بصورة مختلفة، ونبحث في أسبابه الداخلية، البعيدة والقريبة، السياسية والاقتصادية والثقافية والتعليمية أيضاً، ثم نضع حلولاً ناجعة لها لتمتين القلعة من الداخل، وخاصة مع الأنباء المتواترة عن دخول سفينة أمريكية محملة بالكيماوي إلى المنطقة، ما يعني أن علينا أن نستعد لأهدافها التضليلية منذ هذا “اليوم”، وإلّا عدنا إلى “الأيام” السابقة قريباً جداً، وذلك أمر لا يتمنّاه أحد بعد “اليوم”.
أحمد حسن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تعليقات