“الرأي العام ووسائل صناعته” في ندوة حوارية

 

 

تباينت الآراء حول ورقة العمل التي قدمتها رئيسة القسم الثقافي في صحيفة البعث الزميلة سلوى عباس في الندوة التي أقامها المركز الوطني للأبحاث واستطلاع الرأي بعنوان “الرأي العام ووسائل صناعته” وفي البداية قدمت الزميلة عباس تعريفاً للرأي العام بأنه مجموعة الأفكار والمعتقدات التي يتبناها مجموعة من الأشخاص يعيشون في مجتمع واحد، وتحمل وجهات نظر متباينة، وهو مرتبط بحدث معين وليس ثابتاً وتصنيعه ليس بالأمر السهل، كما أنه يمر بمجموعة من المراحل حتى يتم تشكيله وفي الفترة الأخيرة تجاذبه الكثير من القضايا.
ونوهت عباس إلى عملها في الشأن الثقافي واستشهدت بالصفحة الثقافية التي تشرف عليها والموضوعات المتباينة في أفكارها والتي تمثل رؤية كاتبها للثقافة، وبالتالي هذه الموضوعات قد تلامس شريحة لابأس بها من المجتمع وتمثل رأياً عاماً تجاهها، قد تتبناها وقد ترفضها، ومع تطور التكنولوجيا ووسائل الإعلام وتعددها لم يعد الإعلام مجرد أداة لإيصال المعرفة أو تقديم الخبر، بل أصبح وسيلة فاعلة في صناعة الرأي العام الذي لم يعد مستقبلاً للمعلومة، بل أصبح يتفاعل ويتأثر مع ما يتابعه من خلال وسائل الإعلام التي كانت هناك اتفاق من المنتدين على أن وسائل الإعلام لا تشكل رأيا عاما، علماً أن دراسات كثيرة تشير إلى دور وسائل التواصل الاجتماعي في تشويش الرأي العام من خلال الشائعات التي أصبحت تعتمد كأخبار صحيحة دون التحقق من مصدرها، وتكرست هذه الحالة مع انتشار وسائل التواصل السريع، حيث أن سطراً ونصف من الكلمات المدونة كـ “بوست” في الفضاء الأزرق أو الفضاءات المشابهة له، يكرّس كاتبها شاعراً مبدعاً، “ومنوّراً.. ورائعاً” بلغة هذه الوسائل، حيث أصبح أي شخص قادر على التأثير في الرأي العام وصناعته، لكن القضية تكمن في مصداقية ما يطرح على تلك الصفحات، ولا ترى عباس أن وسائل التواصل الاجتماعي تشكل حالة من المصداقية لدى الرأي العام بل تأخذ طابعاً شخصياً يتحول إلى سجال القصد منه ترويج الموضوع المطروح من خلال الفعل ورد الفعل، لذلك ما يطرح هو مجرد مؤشر لحالة أو ظاهرة، ولا يمكن اعتباره مصدرا نهائيا للمعلومة أو أن يشكل رأيا عاما، ولكن لا يمكننا نكران أنها منبر له تأثيره لاسيما أنها تطرح المواضيع التي يستهجن طرحها في وسائل الإعلام، وبذلك تخلق نوعا من تبادل وجهات النظر من أجل استمزاج الآراء ومعرفة مزاج فئة أو شريحة.

الحشد والجمهور
وميز مدير المركز الوطني للأبحاث واستطلاع الرأي د. بطرس حلاق بين مفهومي الحشد والجمهور فالحشد هو تجمع بشري بناء على روابط غرائزية وعاطفية ولا تبني رأيا عاما بل مجرد رأي مؤقت مصنّع لهدف محدد، لأن الرأي العام يبنى من قبل الجمهور وروابطه عقلانية، مشدداً على أن الفيسبوك ليس وسيلة إعلامية بل وسيلة اتصال، ولاشيء يعطى من خلال وسائل التواصل الاجتماعي مجاناً، بل انتشر لأنه فضاء يتفاعل معه الحشد وليس الجمهور وهو لم يصنع الرأي العام بل ارتبط بنشاط الأزمات وهناك شخصيات وهمية صنعتها مؤسسات لكي تخاطب غرائزياً الحشود ونحن مجرد تابعين.
ويرى حلاق أنه عندما نفكر من يشكل الرأي العام فإن آخر ما يجب أن نفكر فيه هو الإعلام، حيث يتصدر رأس القائمة الأسرة والجامعة والجامع والكنيسة ومؤسسات المجتمع المدني، والإعلام هو حامل لكل هذه الجهات، لافتاً إلى أنه على الرغم من أننا نجلد أنفسنا في الإعلام السوري- وأنا لا أدافع عنه- ولكننا تجاهلنا دور المؤسسات الأخرى، كما طرح سؤالا هاما: هل حالة وسائل الاتصال التكنولوجي مجانية أم هي حق؟ مؤكداً على ضرورة أن لا نتعامل معه أنه مجاني ولا نقول أنه يبني رأيا عاما، ولكن للأسف تم تشكيل الرأي العام السوري وخلق مصطلحات عبر الفيسبوك، لافتاً إلى أنه لكي تصنع رأيا عاما أو تسيطر عليه عليك أن تخلخله من كل الجوانب ثم تعيد تشكيله، وللأسف الفيسبوك ساهم بتفتيت الرأي العام لإعادة تشكيله، مضيفاً أنه لكي نعترف بالرأي العام يجب أن نعترف بسطوته وبأنه يشكل القوانين فما لا يتقبله الرأي العام يرفض، والدولة الذكية تبدل قوانينها حسب الرأي العام، وأنا استطيع معرفة المتلقي بناء على البحوث وهناك خطة في مركز الأبحاث لمعرفة كيف يفكر الشعب السوري بناء على بيانات واستطلاعات تعطيني صورة عن الرأي العام.
وركزت المداخلات التي طرحت في الندوة على الأهمية الكبرى لدور الثقافة والمجتمع والتربية والأسرة في تسهيل تكوين الرأي العام، فضلاً عن أنه في المجتمعات المحافظة نرى الارتباط بتقاليد وعادات تعيق التطور الحضاري وتتعامل معه الحكومات بحذر وتحاول ألا تواجهه بحدية، مع أنه في بعض الحالات يحتاج إلى إرادة سياسية حادة ليتم تغييره، منوهاً إلى ضرورة الانتباه إلى الدور التربوي لأنه يمثل خطوة مهمة في تكوين رأي عام وبالتالي اتخاذ قرارات لتطوير المجتمعات.

الهوية الوطنية
كما طُرحت فكرة أن الرأي العام خلق لقياس ردة فعل أو موقف أو معرفة اتجاه ولا يمثل الهوية الوطنية، ولم يقر بدور المدرسة في تشكيل الرأي العام فمهمتها تشكيل هوية وطنية، والرأي العام قضية مؤقتة وهو ليس ثابتا بل متناغم مع المصلحة الاجتماعية ويفترض أن يكون للجمهور رأي فيه، لكن ليس بالضرورة أن يتبع صانع القرار الرأي العام، لافتاً إلى أن الفيسبوك هو مساحة للحرية وللآراء ولكنها لا تصدر رأيا عاما، بل هي وسيلة للتعبير عنه لا أكثر، مؤكداً أن البعد المحلي يزداد في المجتمعات التي أصبحت قائمة على الفردية وأصبحت القضايا تضيق لتكون أٌقل من قضية رأي عام، مشيراً أنه في السنوات الأولى للأزمة السورية كان لصفحات التواصل الاجتماعي دور كبير في الدفاع عن البلد، من خلال نشاطات الجيش السوري الالكتروني.

تأثيرها آني
ومن وجهة نظر أخرى تم الحديث عن أن وسائل التواصل الاجتماعي تستطيع التحكم بفعل آني ولا يمكنها تشكيل رأي عام في قضايا إستراتيجية مطروحة، بل هي مجرد حالة هيجان لا تولد سلوكا عاما، لأن الجهات الرسمية لا تعترف بهذه الوسيلة “غير المسؤولة” كونها وسيلة قياس “غير دقيقة” والتفاعل معها غير مدروس والكثير من “اللايكات” يتم وضعها قبل قراءة المنشور حيث يتم التعامل مع هذه المنشورات بلا مسؤولية، ويمكن اعتبارها إلى حد ما وسيلة تسمح لصاحب القرار والمعني بقضية ما أن يلتقط ردود الفعل عليها، ولكن في النهاية لا يمكن الاعتماد عليها لصناعة رأي عام، لاسيما أن هناك أدوات ومؤثرات أكثر أهمية تلعب دوراً أساسياً في صناعته متعلقة بالفكر والثقافة ولا علاقة لها بالانتماء والبيئة والطائفة، وبالتالي وسائل التواصل الاجتماعي ليست وسيلة قياس رأي عام ولا يمكن أن تكون، كما أنها فقدت مصداقيتها مؤخراً ولاسيما الفيسبوك كمصدر للمعلومات.
وأكدت إحدى المداخلات على أنه في الألفية الجديدة بدأت تغيرات في التعاطي مع الرأي العام، لأن الحكومات لا تتعاطى مع كتلة بل توجهات بسبب زيادة الفردانية والحديث عن المجتمع يأخذ منحى جديدا ويجب أن يتم جمع بيانات عن الشعب السوري لنعرف طبيعته، وهنا يبرز دور مراكز الأبحاث، حيث يجب أن أعرف المتلقي لأختار له الوسيلة المناسبة وهناك مجموعة أشياء تعطيني مؤشرا عن القارئ والمتلقي، معتبراً أن الحديث عن الرأي العام هو حديث هلامي، مشدداً على ضرورة الحديث عن توظيف وسائل التواصل التي قامت على مفهوم أمني (الأمن الشامل) واعتبار كل شيء هو معلومة أمنية ويمكن توظيفه، فهم اخترعوه وأتاحوه للعالم، ولكن هذا لا يعني أن العالم وقف موقفا سلبيا منه، ويجب ألا يقلل أحد من قيمتها فالموضوع موظف وهي قادرة أن تؤثر، والفيسبوك يمكن توظيفه وأي زائر يأخذ ما يريد وبرأيي أنه يساهم في صناعة الرأي العام.
لوردا فوزي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تعليقات