الرقيب الحقيقي

هذا المقال رقم : 26 من 70 من العدد 2018-10-12-16208

 

استبشرنا خيراً كونها نقلة حضارية فريدة من نوعها كان لها إيجابيات واضحة وضرورية، فعبر السوشال ميديا أصبحت وأنت تجلس في مكانك، تستطيع أن تتنقل وتستمع وترى كل شيء في هذا العالم الواسع في لحظة لا تتعدى الدقائق، ولم تنتشر في البداية بشكل كبير، بل اقتصرت فقط على من لهم دراية بقواعدها، ورويداً رويداً أصبحت بمتناول الجميع، الكل يكتب والكل يقرأ دون رقيب، وبتنا نوثق كل معلوماتنا الشخصية بالتفصيل، ويمر الوقت وتعبر الدقائق ويتجذر فينا يوماً بعد يوم فيغيرنا دون أن ندري ونميل إلى العزلة، ونعبر عن محبتنا باختصار، ليقلَ التواصل الاجتماعي بين الناس، وتتفتت العلاقات شيئاً فشيئاً بين الأسرة الواحدة معتبرين الوقاحة جرأة والتطور استهزاء بكل ما هو قديم، ولم يعد لدينا ذلك الصديق الحقيقي إلا نادراً، وكأننا تطبعنا بالفيسبوك بكبسة زر البلوك نلغي أشخاصاً من حياتنا.
علينا أن نعترف أن السوشال ميديا لم تعد مجرد تبادل ثقافات وأفكار وتعارف، بل أصبح يقف وراءها جيوش الكترونية هائلة، وهذا ما لاحظناه بوضوح في عدة أمثلة في العالم، حيث كانت السوشال ميديا من أبرز الأسلحة الفتاكة التي اجتاحت الشعوب، وركزت على نقاط أساسية يتداولها العفويون والخبثاء، ومازالت مستمرة بأفعالها باعتبارها كانت الأقرب والأسرع إلى الناس في نقل الأخبار أكثر من الراديو والتلفزيون والصحافة الخاضعين للرقابة ومن مصادر موثوقة جداً، ومن دون رادع باستطاعة أي شخص تأليف ما يريد من أخبار ونشرها عن قصد، لتتحول إلى معارك طاحنة بين المشتركين وتصبح قضية مهمة على شيء كان من أساسه كاذباً، ويظل التداول بها لأيام، ليُكتشف بعد ذلك أن لا صحة لما نُشر، وبإمكانه أيضاً أن يصطنع لنفسه آلاف الشخصيات ليدخل إلى حياة كثيرين ويقنعهم به بلا خوف، ليكون ذلك سبباً لوقوع كثيرين بأزمة نفسية وحالات اكتئاب شديدة أدى معظمها إلى الانتحار.
وكم من حالة فوضى خلقت في مجتمعنا السوري بالتحديد بسبب إشاعات كاذبة وأخبار ملفقة على الفيسبوك، والغريب بالأمر أننا ندري جميعاً حقيقة مصداقيتها، إلا أننا نسارع إلى تصديقها ونتبادلها بيننا، كما حدث ويحدث كل يوم على هذه المواقع، هل يا ترى سبب ذلك قلة الثقة التي تعشّقت بداخلنا؟ أم أن الغريب استطاع أن يبرمج معارضتنا لبعض الأشياء على أنها حرية رأي. هل من أدخل لنا هذا العالم الوهمي في حياتنا كان قاصداً ومتعمداً أن يصل إلى هذا الحد في البلاد؟ وهل يجرؤ أن يفعل ذات الأمر في بلاده أم فرضت عليه رقابة ليقينهم مدى تأثيره الفوضوي عليهم.
عالم وهمي وقعنا فيه، تألف من بضعة حروف وأنغام وأزرار بتنا لا نستطيع التخلي عنه، وكأنه أصبح جزءاً من جسدنا نقرأه دون استثناء، ونمر على كل أفكاره، ومع أننا نختار منه ما نريد إلا أن أشياء أبينا أن نراها تستوقفنا بالإجبار، وفي خلدنا ندرك أنه استملك عقولنا وعرف عنا كل أسرارنا وكأنه يتحدانا بقدرته على توجيهنا كما يريد. دعونا نواجه كل هذه التحديات ونتعرف على كل جديد بحكمة، على أن لا نكون كرة بملاعب الآخرين وفئراناً لتجاربهم، واضعين بأيدينا ضوابط وحدود من دون قيود قسرية ويكون الرقيب عقولنا، عندها فقط سنشعر بالحرية.
ريم حسن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تعليقات