الزيادة المرّة..؟؟

هذا المقال رقم : 2 من 64 من العدد 2018-9-18-16190

 

زيادة الرواتب قادمة وفق تأكيدات شبه رسمية، ليست شائعات، ولا نبوءات نلهو بها أوقات فراغنا، بل يبدو أنه مشروع قرار له ما له من شعبيّة، كما له من أوجه الخطأ، فصوابيّة القرارات النقدية والاقتصادية لا تقاس بالتأييد الشعبي، لأنها لا يمكن أن تكون قضيّة رأي عام أبداً.

ورغم أننا لا نملك إلّا أن نثني على كلّ من فكر بتلمّس الأوجاع المعيشيّة للمواطن، وترميم مواضع لفح الأزمة، وبالفعل ثمة أزمة معيشيّة حقيقيّة تستوجب إجراءً استدراكياً سريعاً، إلّا أننا نسأل عن سبب اختيار المعالجات على بند الرواتب والأجور دون سواه من “خطّة العلاج المفترضة”.. ألم يكن لدينا خيارات أخرى أكثر فعالية وأقلّ عبئاً؟.

ولعلّنا لا نحتاج إلى خبراء في الاقتصاد، لنجزم بأن أية زيادة على الراتب، ستنعكس مباشرة زيادة على أسعار السلع والخدمات.. واعذرونا إن أبدينا عدم استعدادنا لتصديق “اجترار” المزاعم التقليدية التي ترافق هذا الإجراء دوماً، وهي أنه سوف يصار إلى تشديد الرقابة على الأسواق لـ”الضرب على أيدي من يحاولون استغلال الزيادة”، فالتجارب السابقة لا تسمح لنا بالتصديق، ولا سيما أننا ندرك أن “تيار” رأس المال التجاري يملك ما يكفيه من الفساد، لشل حركة مكنة الرقابة والتسعير، وقد حصل بالواقعة والدليل؟!.

إذاً الزيادة المرتقبة كاملةً ستكون من نصيب “أرباب” السوق على اعتبار أنها ستُستهلك لسد جزء من الفجوة المعيشيّة الواسعة التي اعترت معادلة الدخل والإنفاق الأسري لدينا، وهذا يعني أننا دعمنا هؤلاء مباشرة أكثر من الموظف الذي ظن – بؤساً- أن العبرة في زيادة الراتب!.

من الجانب الآخر زيادة الراتب ستكون عبر اللجوء إلى خيار التمويل بالعجز واستنساخ الأوراق النقديّة، فالأكيد ليست لدينا كتلة جاهزة لتمويل الإجراء، بالتالي سنستدين من المستقبل باعتبار التمويل بالعجز هو استدانة من المستقبل، كما سندات الخزينة تماماً، فهي دَين مطلق، وليس لها أي رديف دلالي ألطف وأخف وقعاً، أي سيستدين الموظف من أولاده للإنفاق عليهم.. هذه هي الحقيقة التي علينا معرفتها، قبل أن تأخذنا الفرحة بالأنباء القادمة من الرواق التنفيذي.

الآن سنعود إلى طرح ما أوردناه في مقال سابق، ويتعلّق بأفضليّة ضبط الأسعار على زيادة الرواتب.. ولو كانت وقائع حضور الرقابة في السوق محبطة، لكننا الآن أمام حتمية معيشية تحتّم أن ترخي الدولة – وليس مجرّد الحكومة – بثقلها لفرض الهيبة في السوق، وكبح جماح “التوحّش” المُعلن والصريح، ونفترض أن ذلك ليس مستحيلاً، فيما لو توفرت الإرادة الحقيقية، فلا أحد أقوى من الدولة، وهذه حقيقة يسلّم بها كلّ مواطن رغم هشاشة الموقف الراهن من السوق.

إن اللجوء إلى خيار التسعير المركزي للسلع، وكسر “جائحة” تحرير الأسعار، ستكون لهما آثاراً بالغة الإيجابية أكثر بكثير من زيادة الراتب، ونجزم بأن 60% من دخل الموظف يضيع في متاهات “علاوات”  تلاعب التجار بأساسيات الاحتياجات السلعية في السوق، فلو ضبطنا الأسعار سنزيد القوة الشرائية لقيمة الراتب الحالي بنسبة 60%، أي أكثر من الزيادة المنتظرة، ونكون قد أعفينا الخزينة المركزية من عبء الزيادة، ورممنا الأوضاع المعيشية على حساب المتلاعبين ذاتهم الذين أدمنوا استثمار “أسواق الأزمة”.

ولبدلات الخدمات ذات شأن أسعار السلع، فهي “قاهرة” فعلاً لذوي الدخل المحدود، وبضبطها يمكن القول: إن راتب الموظف سيكون فاعلاً جداً في تأمين احتياجات أسرته، وهذه مهمة النقابات، إضافة إلى وزارة حماية المستهلك، فلماذا نتغاضى عن مثل هذا الحل، ونذهب إلى الخيار الأسهل والمكلف، وهو زيادة الرواتب والأجور؟.

باختصار زيادة الرواتب تعني زيادة فرص “الحيتان” في أسواقنا، والموظف سيكون وسيطاً بينهم وبين الحكومة لإيصالها إليهم بسلاسة وهدوء، فـ”الحملان طبق شهي على موائد الذئاب”..

ناظم عيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تعليقات