العبث بين الخطوط الحمراء

هذا المقال رقم : 2 من 52 من العدد 2018-9-4-16180

 

لعبارة “أبغض الحلال” إسقاطاتها واسعة الطيف في عالم المال والأعمال، فهي ليست محصورة بحيثيّة اجتماعية محدّدة، كما عهدنا تداولها، بل يبدو أنه سيكون لها ما لها من حضور في يومياتنا التنموية المقبلة، سيما وأن أدبيات الاستثمار خالية من العواطف تماماً.

بالأمس كانت المفاجأة على شكل انعطافة حادّة وقاسية فعلاً، حملتها رؤية يمكن عنونتها بـ “ورقة تقرير مصير القطاع العام الصناعي” فيها ما فيها من الجرأة البالغة، وغير المسبوقة منذ زمن التأميم وحتى اليوم.

إغلاق.. بيع.. تحويل إلى شركة مساهمة عامة.. شركة مساهمة خاصّة.. اكتتاب عام.. اكتتاب خاص.. مزاد علني.. تأجير، هي خيارات مطروحة لمعالجة أوضاع الشركات الصناعية هنا في سورية وليس في جزر هاواي، فالمفردات غريبة تماماً عن الحيّز المحجوز في أذهاننا للتداول بشأن قطاعنا العام عموماً، لذا من الطبيعي أن نلتقط مفردة “أبغض” قبل كل ما توحي كلمة “حلال” المرتبطة بها في سياق القاعدة الفقهية الشهيرة المتصلة بمقام آخر بعيد كل البعد عمّا نحن بصدد الحديث عنه، لكن المقاربة ممكنة على كل حال.

باختصار نبدو اليوم وجاهياً أمام إيحاء، أو ربما تسريب بشأن نيات خصخصة صريحة، وهذا تحوّل عميق جداً كان يحتاج إلى طرح ونقاش علني يكون الحسم بعده، وليس تسللاً عبر انفراد وزارة ببحث مصير ما تشرف عليه دون أن تملكه، فالمسألة من اختصاص مؤسسات أكبر وأعمق، ونذكر أن فكرة التشاركيّة بين العام والخاص استغرقت جدلاً وبحثاً ودراسات ونقاشات مطوّلة في مجلس الوزراء، قبل أن يجري إقرارها كمشروع اكتسب “الدرجة الوطنيّة”، فلماذا هذا القفز المريب فوق كل الاعتبارات اليوم؟!.

الواقع أن لهذه المسألة المعقدة بعدين اثنين، الأول اقتصادي والثاني اجتماعي، وعند هذا الأخير يبدو المأزق الخطير، لأن كل خيارات معالجة أوضاع ترهل الشركات العامة تصطدم بالعامل البشري وملايين العاملين وأسرهم المعتاشة على الوظيفة العامة، فرأس المال الخاص لا يقيم اعتباراً لنتاج سياسات التشغيل الاجتماعي التي كانت بوابة عبور طالب العمل إلى أروقة مؤسسات القطاع الحكومي لعقود طويلة من الزمن، ولا نظن أن في ذلك غرابة، لأن حسابات قطاع الأعمال لا تقيم كثير وزن عادة للعمل الخيري والإنساني في قنوات جني الأرباح وتنمية الأموال.

أما في البعد الاقتصادي، فالأمر يبدو أكثر مرونةً، إلّا أن له حساسيته أيضاً لا سيما فيما يتعلّق بحيثيّة الملكيّة، وقد علمنا أن خيار بيع الأصول وارد في الرؤية التي أخرجتها وزارة الصناعة.. وحتى في التأجير أو التحويل إلى شركات مساهمة عامة أو خاصّة، وفق نصوص قانون التجارة، ثمة مخاطر حقيقية يجب أن تتكفّل بغض النظر كليّاً عمّا هو أقرب إلى الهرطقة.

لدينا قانون صدر يبيح التشاركيّة بين رأس المال الخاص “السائل” والأصول الثابتة بملكيتها العامّة، وهو يحفظ أهم عنصرين في مجمل المشهد ببعده الجديد المفترض.. الملكيّة والعمالة، وثمة صيغ كثيرة مرنة لا تمس بهذين العنصرين.

وعلينا ألّا نخلط أبداً بين فرضية فشل القطاع العام وحقيقة الفشل في إدارته، وعند هذه الأخيرة يجب أن تتركّز المعالجات التي تتصل بالفساد والترهل الإداري وإشكالات البنية القانونية والتنظيميّة، وإلّا لماذا تخسر شركات القطاع العام، وتربح مثيلاتها الخاصّة، على الرغم أن معظم خبرات وكوادر الثانية من قوام كوادر الأولى؟!.

ناظم عيد

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تعليقات