العلاقات الإيرانية الأمريكية .. وسياسة الوهم ؟؟

بينما لم يزل الرئيس الأمريكي ” دونالد ترامب ” يُمارس دوره الرئاسي ونظرته للعلاقات الدولية وفق عقلية بالية تنطلق من أن أمريكا هي الدولة الوحيدة التي تقود العالم وعلى الجميع الإقرار بذلك ، نجد أن هناك قوى عظمى جديدة ظهرت بقوة على الساحة الدولية نسفت هذه المعادلة بكل أبعادها ونواتجها ، وساهمت في إبطال الجوانب الخطيرة والمتهورة في سياسات الولايات المتحدة الخارجية ضد الدول والمجتمعات الخارجة عن الطاعة الأمريكية ، وحدّت من دورها المشبوه في تخريب و زعزعة استقرار الأمن الدولي من خلال إلغاء السيطرة المطلقة للولايات على منظمة الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي باستخدام ” حق الفيتو ” وإسقاط أي قرار دولي تتقدم به الولايات المتحدة إلى مجلس الأمن يتعارض أو بعض ما جاء فيه مع القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة ، كما فعلت كل من روسيا والصين عندما حاولت الإدارات الأمريكية تمرير قرارات دولية ضد سورية .

في العلاقات الإيرانية الأمريكية استخدم الرئيس الأمريكي نفس الأسلوب الاستعلائي ظناً منه بأنه قادر على ترويض إيران وتطويعها من خلال فرض عقوبات اقتصادية ومحاصرة تصدير النفط الإيراني وغيره من التهديدات المختلفة ، متجاهلاً بأنه يُمارس سياسة الوهم في زمن لم تعد هذه السياسة ذات معنى حقيقي على أرض الواقع ، وإن إيران بلد قوي بإرادته وإرادة شعبه الذي تعود على الحصار والعقوبات لفترات طويلة ولم تثنه عن خطه الاستراتيجي أولاً ، وبحكمة وحنكة قيادته التي تعتمد سياسة الدبلوماسية الناعمة إلى أبعد الحدود في كافة القضايا التي تمس حياة ومستقبل البلد ثانياً ، لذلك أصبحت سياسة العزل والعقوبات التي تعتمدها الإدارة الأمريكية سواء القائمة أو سابقاتها ، هي سياسة المهزوم الذي يعزل نفسه ويدفع بالخسارة على بلده قبل الآخرين ، وهي أساليب قديمة في فرض الهيمنة تجاوزها الزمن ولم يعد لها أي مفاعيل تُذكر في التاريخ البشري الحديث ، سيما بعد أن ظهرت الأقطاب الجديدة في قيادة العالم ( دول الكومنويلث ، وتحالف بحر قزوين ، وغيرها من التحالفات ) التي تستند في بعدها الجيوسياسي على عوامل متكاملة من القوة وهي بالأساس تحالفات إستراتيجية في أغلبها مناهضة للسياسة الأمريكية التقليدية ورافضة لها ولأطماعها في السيطرة على مقدرات العالم.

يقول قائد الثورة الإسلامية في إيران ” علي الخامنئي ” : ” أقول كلمتين للشعب ، لن تكون هناك حرب مع أمريكا ولن نتفاوض معها .. ” ، أي بمعنى أن أمريكا لن تبدأ الحرب على إيران كونها تعرف نتائجها سلفاً  وهي تتحاشى الصدام المباشر معها ، وأن إيران لن تكون بادئة بالحرب كونها لا تؤمن بالحرب كوسيلة لتحقيق المصالح الوطنية ، وقد واجهت الحكومة الإيرانية انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي بهدوء وحذرت الأوروبيين من السير خلف الولايات المتحدة والمشاركة بفرض عقوبات جديدة على إيران التي تجد موقفها أكثر قوة وثباتاً وانسجاماً مع القانون الدولي وقرارات مجلس الأمن الدولي، في الوقت الذي بدت الولايات المتحدة فيه الدولة المستهترة والخارجة على التعهدات والالتزامات الدولية ، ومهما مارست الإدارة الأمريكية من ضغوط وعقوبات على إيران لن تتمكن من جر الإيرانيين للتفاوض من جديد حول ما تم الاتفاق عليه في اجتماعات الـ 5 +1  التي استمرت لسنوات طويلة ، بل ستزيدهم إصراراً على التمسك بحقهم الكامل في صناعة ما يرونه مناسب من أسلحة دفاعية رادعة في وجه أي عدو ينوي بهم شر ، وقد ساهم القرار الأمريكي بانسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق بحشد تأييد دولي واسع لإيران التي كانت أكثر برغماتية وشدة بآنٍ معاً في التعبير عن مصالحها الوطنية والتمسك بها ، يُقابله إدانات واسعة للإدارة الأمريكية التي أصبحت في موقع المتهم الخارج عن القانون والأخلاق.

كما عودتنا الدبلوماسية الإيرانية على اعتماد سياسة هادئة وناعمة في مواجهة الأعداء ، وقد أثبتت فاعليتها العالية في امتصاص الصدمات وإبطال إستراتيجية الخصم بأقل الخسائر مهما أخذت من جهد وزمن ، وهي في الوقت ذاته تعمل بصمت لتحقيق حالة التوازن الاستراتيجي مع الآخرين على كافة الجبهات العسكرية والاقتصادية والثقافية وغيرها ، انطلاقاً من الإمكانات الذاتية والخبرات المحلية بعيداً عن حالة الضياع والتشنج التي تبدو على كثير من الدول والمجتمعات التي تعاني حصاراً اقتصادياً وعقوبات متنوعة لفترات طويلة ، وهذا ما يجعل من إيران دولة محورية تتمتع بدور أساسي ليس فقط في المنطقة ، وكذلك على الساحة الدولية .

محمد عبد الكريم مصطفى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تعليقات