القارة العجوز على محك التقسيم

هذا المقال رقم : 35 من 66 من العدد 2019-1-9-16266

ترجمة: البعث
عن الأوبزيرفر 25/12/2018

إنها لحظة مؤثرة ليست في بريطانيا، بل في أنحاء قارة تعاني من مشكلات داخلية وخارجية متصاعدة، ولهذا فإن رحيل بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي سوف يُفسّر من قبل الكثيرين على أنه تصويت لاذع على عدم الثقة بمستقبل أوروبا الجماعي.
ومع انعقاد القمة الأخيرة في بروكسل لإبرام اتفاقيات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي التي من المتوقع أن تمضي كما هو مخطّط لها، فإن الدول السبع والعشرين الباقية قد وصلت إلى نقطة تحول محورية لم يكن أيّ منها يريدها.
بشكل عام، يخطئ البريطانيون في فهم أهميتهم لأوروبا في فترة ما بعد الحرب. والسياسيون المتحيّزون من الناحية الإيديولوجية يقع عليهم اللوم جزئياً. كما مارست الصحف اليمينية أيضاً تأثيراً مضطرباً بشكل غير عقلاني. فمن جهة، زعموا أن أوروبا الجارحة، التي يُرمز إليها بـ”بروكسل”، فشلت في تقدير دور بريطانيا المحوري في إنقاذ القارة عام 1945، والحفاظ عليها آمنة منذ ذلك الحين. ومن ناحية أخرى ، قيل إن الأوروبيين المقتولين يقوضون سيادتنا، مستغلين نوايانا الحسنة، وكما تقول مارغريت تاتشر، يسرقون “أموالنا”!.
لكن الحقيقة الأكثر دقة مختلفة جداً، لأن معظم الدول الأوروبية تُقدّر وجود بريطانيا على الطاولة العليا للاتحاد الأوروبي. ونظراً لتقاليدها القوية الديمقراطية والبرلمانية والخدمة العامة، والتعلق بسيادة القانون والالتزام بالتجارة الحرة والنزيهة، اعتبر الكثيرون بريطانيا نموذجاً، ولاسيما في أوروبا الوسطى والشرقية ما بعد السوفييتية. فقد دعمت بريطانيا توسيع الاتحاد الأوروبي، وكانت بمثابة جسر للولايات المتحدة، وكانت فاعلاً رئيسياً في حلف الناتو، ووفرت توازناً حاسماً للعلاقة الفرنسية- الألمانية الهشة باستمرار.
لن يتمّ فقدان كل هذا عندما تغادر بريطانيا في 29 آذار من العام الحالي. ولا ينبغي أن نكرّر الخطأ القديم المتمثّل بالمبالغة في التأثير البريطاني. ولكن لا نخطئ، فإن الضرر الذي يلحق بفكرة أوروبا، وموقف أوروبا في العالم، سيكون كبيراً ودائماً. وفي عهد دونالد ترامب، وفلاديمير بوتين، وشي جين بينغ ، فإن إرث حركة التنوير الأوروبية في المجتمعات المفتوحة المستندة إلى الحقوق القانونية والالتزامات والحريات الفردية سيتعرّض لهجوم مستمر. والحكم الديمقراطي ليس معطى في الكثير من دول العالم، أوروبا هي معقلها الأول والأخير، وبريطانيا اخترقت هذا النسق.
إن موقف ألمانيا في أوروبا ما بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي له أهمية خاصة. تعتقد حكومة أنجيلا ميركل أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي هو خطأ كبير. ويبدو أن الألمان عموماً يشعرون بالندم، ويخلطهم القلق. يجب أن تواجه برلين الآن التحديات التي يطرحها صعود اليمين الشعبي على مستوى أوروبا، والتمرد الإيطالي المعدي المناهض لسياسة بروكسل، والمشكلات المحفوفة بالمخاطر التي تفرضها الهجرة الجماعية إلى جنوب أوروبا غير المستقر والمثقل بالديون.
كما ستواجه ميركل التي تتوخى الحذر الشديد، بشكل مباشر أكثر، المتطلبات السياسيّة الطموحة لرئيس فرنسا المثير للإعجاب، إيمانويل ماكرون الذي يعاني من مشكلات عميقة بعد أكثر من 18 شهراً فقط من توليه المنصب، إذ يسعى ماكرون إلى الخلاص على مسرح أوسع، حيث يعتبر نفسه بطلاً لأوروبا التقدمية. وهو الذي دعا إلى تكامل أكبر بين الاتحاد الأوروبي السياسي والميزانية والدفاع. ويعارضه كثيرون في أوروبا، وفي هذا الاختلاف تكمن بذور الكسر النهائي في الاتحاد الأوروبي.
يمكن أن تُجبر ألمانيا في النهاية على الاختيار: إما أن تقود أو تغادر. لكن من الواضح أن الأمور في أوروبا تسير نحو أمر استمالت إليه برلين حتى الآن لأسباب تاريخية مؤلمة، وهذا من شأنه أن يزعج العديد من الدول الأعضاء. هل يناسب هذا السيناريو مصالح بريطانيا أكثر من مصالح فرنسا؟ هناك ثمّة بديل، تمّ طرحه بالفعل، وهو تقسيم أوروبي من الشمال إلى الجنوب، حيث يمكن لألمانيا، وهولندا، وبولندا، والدول لاسكندنافية ودول البلطيق أن تتفكك لتشكيل نوع من النسخ الحديثة من الرابطة الهانزية، وإذا تمّ التوصل إلى هذه النقطة، فإن فكرة الاتحاد الأوروبي سوف تموت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تعليقات