القدس في العين الأمريكية

هذا المقال رقم : 22 من 75 من العدد 2018-6-8-16122

 

منذ الاحتلال الإسرائيلي لمدينة القدس، في حزيران عام 1967، وحكومات الاحتلال الإسرائيلي تكرّس الاستيطان لتهويد المدينة من خلال المماطلة والمراوغة وإطالة مسلسل التفاوض بينها وبين منظمة التحرير الفلسطينية، الأمر الذي أتاح لهذه الحكومات المتعاقبة مصادرة الأراضي الفلسطينية وإدراجها كأمر واقع في مسلسل الاستيطان على حساب المواطنين العرب، وزاد الطين بلّة إقامة الجدار الفاصل الذي عزل المدينة عن جسدها العربي الفلسطيني.

المتتبع لتنفيذ مضامين السياسات الاستراتيجية الأمريكية الإسرائيلية تجاه القدس يجد تحولا ملحوظا قد بدأ في عهد الرئيس الأمريكي جونسون (1963-1969). كان ذلك منذ أن قدم مشروعه الذي تضمن من جملة ما تضمن “إدراك المصالح الخاصة للأديان السماوية في الأماكن المقدسة”، ووفقا لهذا المشروع حدد الرئيس جونسون السياسة الخارجية الأمريكية تجاه الصراع العربي الصهيوني بمطالبة الدول المعنية باعتراف بعضها للبعض الآخر، ضمن حدود معترف بها، وكان هذا بديلا من العودة إلى اتفاق الهدنة بين العرب وإسرائيل في عام 1949.

منذ ذلك الوقت، كانت الترتيبات الإسرائيلية الاستيطانية الخاصة بالقدس، والتي بدأت بقرار إسرائيل ضم الجزء الشرقي من المدينة المقدسة في حزيران عام 1967.. قرار اعتبرته الإدارة الأمريكية أحادي الجانب من قبل إسرائيل، ويتحكم بمستقبل الأماكن المقدسة وفي الطليعة القدس الخاضعة للتدويل (من وجهة النظر الأمريكية – ومع أن الموقف الأمريكي في الأمم المتحدة آنذاك قد جاء ليؤكد اخضاع القدس لنصوص القانون الدولي، لكن أمريكا غيرت موقفها بعد أن أقدمت إسرائيل على إعلان القدس عاصمة أبدية لها، تغيير جاء مناقضا لكل المواقف الأمريكية السابقة، حيث امتنعت عن التصويت على القرارين رقم 2253 ورقم 2254، الصادرين عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في تموز عام 1967. وهما القراران اللذان طالبا إسرائيل بإلغاء جميع ما قامت به من إجراءات في القدس، وبالتوقف عن أي إجراء يغير في وضع المدينة، وقس على ذلك قرارات الأمم المتحدة المؤيدة للحق الفلسطيني، والتي كانت الولايات المتحدة الأمريكية تصوّت ضدها لمصلحة إسرائيل.

في عهد الرئيس نيكسون (1969-1974)، بقي الموقف والسلوك الأمريكي على ما هو عليه تجاه القدس، لكنه عاد ليتبلور في ضوء مشروع روجرز (1969)، بحيث يمكن تحديده من خلال اتفاق الأطراف المعنية بالأمر، وفي هذا الإطار تكون الولايات المتحدة الأمريكية قد اعترفت بضم القدس لإسرائيل، وبدت أكثر قربا من السلوك الإسرائيلي.

في عهد الرئيس فورد (1974 – 1977) استمر الموقف الأمريكي الرافض نظريا لسياسة التهويد والاستيطان الإسرائيلية بعد أن امتدت إلى الضفة الغربية ولم تعد حصرا على القدس، وكان ذلك واضحا من خلال الموقف الأمريكي في مجلس الأمن الذي اعتبر الموقف الإسرائيلي متحكما بمفاوضات المستقبل بين الأطراف المتفاوضة، لكن هذا الموقف عاد ليتغير تجاه القدس في عهد الرئيس جيمي كارتر (1977 – 1981) ليصبح متسقا ومنسجما ومتماشيا مع الموقف الإسرائيلي من خلال التركيز على إبقاء مدينة القدس مدينة موحدة دون تقسيم.

إجمالا اعتبرت الإدارات الأمريكية المتتابعة، منذ عام 1967 وحتى عام 1981، بناء المستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلة عملا غير مشروع من الناحية النظرية، ومع أن إدارة الرئيس رونالد ريغان (1981 – 1989)، اعتبرت المستوطنات عقبة على طريق السلام، وأنها استفزازية لكنها رفضت اعتبارها غير شرعية، وهذا ما كان واضحا من خلال مبادرة ريغان لإنهاء الصراع العربي الصهيوني، وهي الأرض مقابل السلام طبقا لقرار مجلس الأمن رقم 242 واتفاق كامب ديفيد، على أن تبقى القدس مدينة غير مجزأة ويتقرر وضعها بالتفاوض.

أما الموقف الأمريكي المتناقض والمبهم فقد كان في عهد الرئيس جورج بوش الأب عام (1989 – 1993) حيث الانطلاق نحو تسوية الصراع العربي الإسرائيلي دون إقامة مستوطنات جديدة، أكان ذلك في الضفة الغربية، أم كان ذلك في القدس الشرقية. وهذا ما كان واضحا في رسالته الموجهة إلى الفلسطينيين قبل انعقاد مؤتمر مدريد عام 1991، والتي تنصّ على عدم تقسيم القدس، أو تدويلها، أو اللجوء إلى الأمم المتحدة لحل الصراع عليها، وعلى أن يحدد وضعها من خلال المفاوضات بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي. وفي هذا الإطار يكون الاعتراف الأمريكي بوجود بالمستوطنات الإسرائيلية أمرا واقعا.

في عهد الرئيس كلنتون (1993 – 2001) طرأ تطور خطير وهو عدم إبداء أي معارضة من قبل إدارته لمصادرة الأراضي، والنشاطات الاستيطانية في القدس، بل رفضت هذه الإدارة أن تصف الاستمرار في بناء هذه المستوطنات على أنه أحادي الجانب، مثلما وصفته الإدارات الأمريكية السابقة، وهذا ما اعتبرته إسرائيل فرصة مناسبة للتوسع في هذه المستوطنات. ولقد بلغ الموقف الأمريكي ذروته السلبية تجاه مدينة القدس بعد إعلان اتفاقية أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل، عام 1993، عندما أعلن المسؤولون الأمريكيون أن مصادرة الأراضي وبناء المستوطنات في القدس الشرقية يجب أن لا يعالج في الأمم المتحدة أو مجلس الأمن، لأن هذا من اختصاص إسرائيل والسلطة الفلسطينية، وبالتالي عملت الإدارة الأمريكية كل ما في وسعها لتحييد الأمم المتحدة فيما يخص القدس، لتعارض فيما بعد وبشدة كل القرارات التي تصدر عن الأمم المتحدة، والتي تبدو من وجهة نظرها متعارضة مع الإستراتيجية الأمريكية الإسرائيلية.

في عهد الرئيس بوش الابن (2001 – 2009)، كانت الإشارة إلى حلّ الدولتين، وهنا طالبت الإدارة الأمريكية بإقامة دولة فلسطينية أعلنت عنها لاحقا أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، وأدى هذا إلى إصدار قرار مجلس الأمن الشهير رقم 1397، لكن إشارة بوش في هذا الإعلان جاءت خاوية من أية تفاصيل عن حدود هذه الدولة، كما كان قرار مجلس الأمن فضفاضا وبدون رؤية، سوى قيام دولة فلسطينية إلى جانب دولة إسرائيل، وتكون القدس الشرقية عاصمة لها.

في عهد الرئيس أوباما (2009 – 2017)، وفي أكثر من مناسبة، كان الإعلان عن عدم قبول الولايات المتحدة الأمريكية بأي استيطان، وبعدم شرعية الاستمرار في بناء المستوطنات. ووصل الأمر بالرئيس أوباما إلى أنه حذر إسرائيل من الاستمرار في هذا البناء، لأنه سيؤدي إلى موقف خطير، وإلى الإضرار في عملية السلام، لكن موقف الكونغرس الأمريكي كان معارضا لسياسة أوباما هذه، تحت تأثير اللوبي الصهيوني. ولقد نجحت المنظمة الصهيونية إيباك في دفع أعضاء الكونغرس إلى تقديم مسودة مشروع يطالب الاعتراف بالقدس كعاصمة أبدية لإسرائيل، وتقاطعت المواقف وتطابقت بين الكونغرس الأمريكي والكنيست الإسرائيلي بشأن تهويد القدس وجعلها عاصمة موحدة وأبدية لإسرائيل. وفي عام 2009، وجه 71 عضوا في مجلس الشيوخ الأمريكي خطابا للرئيس أوباما يتضمن ضرورة قيامه بتشجيع القادة العرب على التطبيع مع إسرائيل.

كل هذه المواقف للإدارة الأمريكية وهي على سبيل المثال لا الحصر تشير إلى حالة التوافق الاستراتيجي الأمريكي الإسرائيلي تجاه القدس، كما تشير إلى حالة الاستقطاب الحزبي للمنظمات اليهودية الأمريكية، واعتبارات التمويل السياسي التي تدفع أعضاء الحزبين، الجمهوري والديمقراطي، في الكونغرس إلى تبني مواقف داعمة لسياسة إسرائيل، فكيف بالنسبة للرئيس ترامب الذي أتى إلى سدة الرئاسة الأمريكية، عام 2017، بدعم الكنيسة الإنجيلية المتصهينة، التي وحدت بين الاستراتيجيتين الأمريكية والإسرائيلية في عهده. ولماذا نستغرب من ترامب بعد هذا التوحيد قراره نقل السفارة الأمريكية إلى القدس إرضاء لإسرائيل، وتنفيذا لهذه الاستراتيجية. ما فعله ترامب يعدّ تتويجا لمواقف الإدارات الأمريكية السابقة فيما يخص الموقف من القدس، كما يعدّ تتويجا للسياسة الأمريكية الغامضة والمنافقة تجاه القضية الفلسطينية العربية. إنها الأيديولوجية الإمبريالية الصهيونية التي تحاول التحكم برقاب العالم، وتحويله إلى ما يخدم مصالحها، أيديولوجية تتسم بالتذبذب وعدم الوضوح، وبالتلاعب بالعقول، كانت ومازالت وستبقى.

د. سليم بركات

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تعليقات