المدرسةُ الرّسالة..!

هذا المقال رقم : 28 من 55 من العدد 2018-9-13-16187

 

 

لعلّ الأشدّ إيلاماً والأكثر فجائعيّةً؛ في عقابيل أزمة الظلام وارتداداتها بسنيها الثّمان؛ ما آلت إليه من تأكل في منظومة القيم، وما تمخّضت عنه من تصدّعات في مصفوفة الأخلاق، ما لبثت تتمظهر حوامل سلوكياتها في يوميّاتنا، وتعلن بصوتٍ عالٍ عن وجودها بين ظهرانينا، رغماً عنّا..!؟
وإذ أزفت ساعة الحقيقة وأخذ الجسد السّوري يبرأ من كوليرا الظلام، ويتعافى من طاعونٍ استهدف روحه وكينونته ووجوده؛ فلا بدّ من استئصال ما علق بهذا الجسد من أدرانٍ دخيلةٍ وطارئةٍ على عراقته، وتتنافى مع أصالة روحه، والمضيّ قدماً في رحلة إعادة بناء الإنسان..!
وحيث إنّ أوّل مربّعات الحيّاة الإنسانيّة الجمعيّة وخلاياها في حياة الفرد بعد الأسرة هي المدرسة، فالواجب يقتضينا أن نولي المدرسة ورسالتها؛ حقّها من الاهتمام والرّعاية والمتابعة، لنعلّم طلّابنا فيها، أنَّ القيم والأخلاق هي صنو العلم، فكما أنّ العلم ليس مجرّد شهادة ممهورة بخاتم، تُمنح نهاية العام لتعبّر عن نتيجةٍ ما، وإنّما العلم في حقيقته نموّ في الشّخصية، وسعة في أفق التّفكير، وعمقٌ في المدارك، ورقيّ في الذّوق، وعلوّ في الشّعور.
لنعلّم طلّابنا أنَّ العلم من دون أخلاق؛ إنّما هو كالجذع يعجب النّاظر شموخه في عنان السّماء لكنّه أجوف، لنعلّمهم أن علمكم لن يجديكم نفعاً ما لم يُرَ أثره على أخلاقكم.!
لنعلّم طلّابنا أنّهم رُسلُ قيمٍ إلى البشريّة، لا إلى مجتمعاتهم وأممهم فحسب.! لنعلّم طلابنا أنَّ الدّين رفعةٌ، يتمظهر بالأخلاق والمعاملة؛ إذ لا قيمة لالتزام دينيّ في أداء الشّعائر والعبادات؛ من دون أن يكون لذلك أثره في حياة المرء ومجتمعه.
لنعلّم طلّابنا أنَّ الانضباط هو أساس النّجاح، فإنْ لزموه فقد خطّوا لأنفسهم أقصر الطّرق في نيل المرامي، وحصد الإنجازات، وإن استخفّوا به؛ تاهوا في الفوضى والعبث وضياع الأوقات والأعمار وتبديد الطّاقات، وتلك بوابات الانحراف، والشّعاب إلى مستنقعات الجريمة، وبراثن الغواية، والتفلّت من أواصر الانضباط الرّوحي والأخلاقي..!
لنعلّم طلّابنا أنَّ للمستقبل عقولًا ومهارات غير محدودة، والحياة في تجدّد مستمر، لنعلّم طلّابنا ملامسة الواقع الحافل بالتّعقيدات، المليء بالتّناقضات والصّعوبات، واجتراح طرائق الإفادة من مرارة التّجارب.
لنعلِّمهم كيف يكونوا أداة تغييرٍ إيجابيٍّ وفاعلٍ لمستقبل مجتمعهم، وأنّ الوطن يعلّق عليهم آماله لترميم ما اعترى جسده من فجوات. في مضمار سباقه الحضاريّ مع الأمم.
لنعلّم طلّابنا أنَّ الهُوية الوطنيّة هي ذاتنا؛ فمن فقد هُويته فقد ذاته.لنعلّمهم التّفكير النّاقد وكيف يفنّدوا بعقولهم الغثّ من السّمين.
والحال أنّنا إنْ أحسنّا تعليم طلابنا، فإنَّنا سنُراهن عليهم آنئذٍ في صُنع مستقبلٍ مشرقٍ، ترنو اليه أبصارنا بتفاؤل، وتتوق إليه نفوسنا بشغف، وعندها فقط ستتملّكنا غبطة الإنجاز بأنّنا أدّينا رسالتنا في الحياة..!
أيمن علي
Aymanali66@hotmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تعليقات