المعرض.. فيروز.. وهيام

هذا المقال رقم : 13 من 64 من العدد 2018-9-7-16183

 

سلوى عباس

كنت لا أزال أتلمس طيوف الحلم الأولى عندما كانت تشدني بخفة روحها وعفويتها التي فطرت عليها، تمررها عبر ضحكتها الأثيرية مع المستمعين، فتبدو وكأنها تقص علينا حكاية من حكايات ألف ليلة وليلة. سيل من المشاعر كان يداهمني عندما أسمعها، إحساس لا كنه له، ولا أعرف في القواميس اسماً له.. إحساس يُنبت شيئاً من السلام حول روحي.
عندما سمعتها لأول مرة كنت كنبتة تشابكت أوراقها الخضر، وتلعثم صعودها في فضائها الوسيع، وفي كل مرة أستمع إليها تأخذني حالة من النشوة، وكل ماكنت أعرفه عنها أن اسمها هيام الحموي دون أن أعرف أنها من سورية، وظل شغفي بها وببرامجها مرافقاً لي حتى التقيتها في العام 1994 أثناء تغطيتها لفعاليات معرض دمشق الدولي في الأستوديو الزجاجي، وكم فاجأني وأسعدني تطابق ملامح وجهها النبيل والأليف مع تموجات صوتها الكامن في حنايا ذاكرتي الطفولية، وحينها عرفت أنها من سورية فكانت فرحتي بها أكبر، فسلمت عليها وبادلتني التحية بابتسامتها التي كانت تقابل بها جميع الزوار، ومن يومها ارتبط حضورها بذاكرتي مع ذكريات المعرض الذي كان أول مكان زرته في زيارتي الأولى لدمشق وكان حينها يشغل المساحة الممتدة بين منطقة فكتوريا وساحة الأمويين.
مضت الأيام وشاءت المصادفة أن ألتقيها مرة ثانية لكن بشراكة صحفية جمعتنا، حيث أجريت معها حواراً كان فرصة لأتعرف إليها أكثر، وأطلع على تفاصيل مسيرتها الإعلامية وكيف كانت دمشق وشغفها بها معينها في غربتها حيث لم تستسلم لمرارة الغربة لقناعتها أن الثقافة كفيلة باختراق أي حاجز وتطويعه، وهي تملك من الثقافة العالية والمتنوعة رصيداً كبيراً.. كما حدثتني في ذلك الحوار أنها كانت تحتفظ في ذاكرتها بالياسمينة والليمونة والنارنجة، تلك المفردات التي تمثل بيت جدها، وكذلك بالصور التي تعيدها لملاعب الطفولة وحنان الأم، وكل تفاصيل حياتها، فهي من عائلة كما تصفها: نساؤها متميزات في الفن والثقافة، يشبهن الزهور البرية، فقد درسن وتحدّين كل الظروف ليحققن وجودهن، فأمها تعزف البيانو، وجدتها تستقبل في بيتها شعراء وفنانين متميزين، مما أتاح للفتاة الطموحة أن ترسم مكانها في الحياة وأن تتعرف على أشخاص متميزين كان لهم دوراً هاماً في تكوين شخصيتها وثقافتها، وعائلة كهذه تحررها من كثير من القيود التي قد تعاني منها.
عرفتني الأيام على هيام أكثر فوجدتها إنسانة معجونة برقة الياسمين، تمتد في أفق الروح وردة يانعة، لعينيها لون الحياة، وصوتها كرقرقات السواقي، هيام التي اعتدنا أن توقظ الحياة من حولنا كل صباح والكون في سبات، تمسح بصوتها بقايا العتمة عن أرواحنا، وتورق فيها اخضرارها.
اليوم ومع انطلاق فعاليات معرض دمشق الدولي تحضر في ذاكرتي هيام بكامل بهائها وألقها عندما أعادتنا في الدورة الماضية من المعرض إلى ذكريات التسعينيات وجمالياتها، حيث تشاركت مع الإعلامية المتميزة رائدة وقاف في برنامج “مُرّ بي” فحققتا على مدى عشرة أيام حالة من التألق والتكامل، حيث استعادتا عبره الزمن الجميل الذي ارتبط بالرحابنة وفيروز وأسماء كثيرة من الزمن الجميل، واستضافتا الكثير من الشخصيات الأدبية والفنية، فشكّل حضورهما بما قدمتاه من الذكريات الفيروزية بعض التعويض عن غياب فيروز التي شكلت حفلاتها على مسرح المعرض هوية مختلفة ومتميزة في سبعينيات القرن الماضي.
اليوم.. ومع افتتاح دورة هذا العام نستذكر طقوساً أدمنها السوريون منذ انطلاقته، يأخذنا الحنين ليس لحضور السيدة فيروز فقط، بل ولحضور سيدة الإعلام السوري والعربي هيام حموي أيضاً، حيث ستقتصر متابعاتها لفعاليات المعرض من أستوديو الإذاعة، ولعل دفء صوتها يعيد صور ذاكرتنا الطفولية.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تعليقات