المنطلـق الإنســاني للثــورة الإســـلامية الإيـرانيــة

احتفالات مليونية تحيي عيد انتصار ثورة ايران الاسلامية لعامها الـ 35

الإسلام هو رؤية كونية شاملة لكلّ جوانب الحياة والوجود. ومنذ بداية عهد الرسالة الإسلامية جعل الإسلامُ الإنسانَ هدفَه الأساس، ووضعه موضعَ اهتمامه الأوليّ، واعتبره غايةَ هذه الحياة، والنموذجَ الأرفعَ والأمثلَ لكلِّ المخلوقات.
لقد نظّمَ الإسلامُ مختلفَ شؤون حياة الإنسان، ووضع له البرامجَ الحياتية والعقائدية لكي يؤمِّنَ له سَيْرَهُ التكاملي قُدُماً نحو عالم الكمال المطلق. ومِنْ هذا المنطلق تخشى القوى الاستكبارية مِنَ الإسلام، لأنّه يرمي إلى بناء الإنسان الكامل، الذي بإمكانه الوقوف في وجه أطماع هذه القوى المادية الكبرى، وجشعها، ومنعها من ظلم العباد والبلاد. ولذا نتفهّم جيداً العداءَ الدفينَ الذي تكنّه هذه القوى الكبرى للجمهورية الإسلامية الإيرانية، التي تسعى جاهدةً لتحقيق أهداف الإسلام المحمّديّ الأصيل في بناء الإنسان المؤمن الحرِّ الكريم.

الحرب الإعلامية الغربية على إيران الإسلام
ومِنْ أجل منع هذا النور المنبثق مِنَ الثورة الإسلامية الإيرانية الأصيلة مِنَ الوصول إلى باقي الشعوب المستضعفة، فقد كثُرَ الحديثُ في الأوساط الإعلامية والسياسية العالمية عن حقوق الإنسان في الإسلام وإيران، حيث تنهال يومياً التُهَمُ على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، إذ يسعى الإعلام الغربي والصهيوني حثيثاً مِنْ أجل إلصاق تهمةِ انتهاك حقوق الإنسان بإيران الإسلام من خلال سَرْد وقائعَ كاذبة، أو بعض الوقائع الشاذّة التي تَحدثُ العشراتُ مِنْ أمثالها في شتّى أصقاع العالم، لاسيّما في الدول الغربية، بل وينتهك الكيانُ الصهيوني الغاصب في كلِّ دقيقةٍ حقوقَ الإنسان الفلسطيني داخلَ الأراضي الفلسطينية المحتلة، ويُنفِّذُ الإرهابَ الحكومي بأبشع صوره مِنْ خلال عمليات القتل اليومي، وهدم المنازل، وإلقاء سكانها الفلسطينيين على قارعة الطريق، وتعذيب آلاف الأسرى في سجونها غير الإنسانية الرهيبة.. الخ.
وكلّ ذلك يجري أمام أعيُنِ العالم بأسره، ولا نرى أيّةَ معارضةٍ أو إدانةٍ لمثل هذه الأعمال الإرهابية الصهيونية من قِبَلِ أدعياء حقوق الإنسان في العالم وفي أمريكا بشكل خاص، بل إنَّ الحكومة الأمريكية تُبرِّرُ على الدوام ذلك، وتعتبره نوعاً من الدفاع عن النفس!!.

الإمام الخميني ينتقد مزاعم الغرب المتوحش
وفي هذا المجال، وجَّه الإمام الخميني الراحل انتقادَه اللاذع لأدعياء حقوق الإنسان بقوله: «إنَّ هؤلاء الذين يَصْرِخُون باسم حقوق الإنسان، لم يفعلوا شيئاً للإنسان، هؤلاء يتشدَّقون لفظاً بالحرية فقط. إنَّ منظماتِ حقوق الإنسان لعبةٌ بِيَدِ القوى العظمى، بل إنَّ تلك المنظمات هي نفسُها تقوم بسحق الإنسان تحت أقدامها، إنّهم ينتهكون حقوق الإنسان في السرِّ والعلن، فكيف لهم أنْ يدافعوا عنها، إنَّ فاقد الشيء لا يعطيه. هؤلاء لا يعرفون ماهو الإنسان حتى يعرفوا ماهي حقوقه! إنَّ كلَّ مالديهم يصبُّ في بوتقة الاقتصاد، ونهبِ ثروات الناس!! لا يوجد لديهم شيءٌ آخر، الأساسُ لديهم هو المالُ الذي ينبثق منه كلُّ شيء!!..
إنّهم يتلاعبون بالشعوب الضعيفة، ومستضعفي العالم!! لا يوجد أسوأ مِنْ هذا في العالم».

المفهوم الإسلامي لحقوق الإنسان
نترك أدعياء الدفاع عن حقوق الإنسان في الغرب، ونسلّط الضوءَ على ما حقّقته الجمهورية الإسلامية الإيرانية في هذا المجال، معتمدين في ذلك على ما ورد في بعض مواد دستور الجمهورية الإسلامية المباركة وبهذا نقول:
إنّ المنطلق الإنساني للثورة الإسلامية الإيرانية يتمثّل في حفظ كرامة الإنسان وحقوقه أينما وُجد، كما قال الله سبحانه وتعالى: (ولقد كرمنا بني آدم) الإسراء/70 وهذا يعني أنَّ التكريم يشملُ الإنسان نفسَه، بغض النظر عن دينه أو مذهبه أو قوميته، وأنّ الله تعالى وهبَ الإنسان هذه الكرامة، وعلينا أن نحترمَها، ولا نتعدى عليها.
إنَّ دستور الجمهورية الإسلامية الإيرانية، الذي هو حصيلة جهود مجموعة من العلماء والخبراء الذين وقفوا حياتهم لنشر المفاهيم والقيم الإسلامية والأحكام الشرعية، هذا الدستور عكس مرةً أخرى الوجه الناصع للإسلام، وجسّدت موادّه وأصولُه عدالةَ الإسلام وسماحته من خلال إعطاء كل ذي حقّ حقه، سواء أكان مسلماً أم غير مسلم.
ولقد تمّ توضيحُ وتقرير حقوق الإنسان في إيران، كما في كثير من دول العالم، ضمن النصوص الرسمية للدستور، وأشير إلى هذا الموضوع في دستور الجمهورية الإسلامية الإيرانية ضمن المادة التاسعة عشرة وحتى الثانية والأربعين في فصل خاص بعنوان حقوق الأمة وكذلك بنحو متفرق في مواد أخرى.
ومن جملة المواد المتعلِّقة بالفصل الخاص بحقوق الشعب، وهي إحدى المواد المهمة والتأسيسيّة للدستور، المادة التاسعة التي ذكر فيها أربعة عناوين متجاورة، وهي: الحرية والاستقلال والحفاظ على أرض الوطن والوحدة، وأعطيت مزيداً من القيمة والأهمية، وتمّ تبني لهجة قاطعة في هذه المادة تؤكد على الترابط بين هذه العناوين الأربعة المذكورة، واعتبرت وظيفةُ ومهمّةُ الحكومة والشعب الحفاظ على هذه الأمور وحمايتها ورعايتها؛ وأكدت على أنَّ من بين هذه العناوين الأربعة لا ينبغي الإخلال بعنوان الحرية بدعوى مراعاة العناوين الثلاثة الأخرى، مثل أن يقال: إنّه ينبغي حرمان الأفراد من الحرية -هذه الموهبة الكبرى- لئلا يسيئوا استخدامها بما يؤثر على الاستقلال، ولا ينبغي كذلك سنُّ أية قوانين تمنع وتسلب الحريات المشروعة للأمة بدعوى الحفاظ على استقلال ووحدة أرض الوطن؛ كذلك من الطبيعي ألا يسمحَ الدستور بالمساس باستقلال ووحدة أرض الوطن بدعوى المطالبة بالحرية. وهكذا ينبغي تحقيق التوازن، بحيث لا يسيء طلب الحرية إلى الاستقلال والحفاظ على وحدة أرض الوطن والعكس صحيح.

حرية الفكر والعقيدة
مع أن الدستور قام بتبيين الأساس العقائدي للنظام في المادة الثانية، واعتبره غيرَ قابل للتغيير، لكن ينبغي ألا نتصوَّر أنه لا يوجد حرية للفكر والاعتقاد والمعرفة، وأن النظام لم يفسح المجال لحرية المعتقدات الأخرى.
إنَّ الدستورَ، مع أنّه يصرّح بأنّ الدين الرسمي لإيران هو الإسلام، والمذهب هو المذهب الجعفري الإثنا عشري، إلا أنّه يقبل حرية العقائد الدينية الأخرى، ويقوم بدعمها، وقد قبل في المادة الثانية عشرة حرية العقيدة، وحرية القيام بالمراسم الدينية لباقي المذاهب الإسلامية، واعترف في المادة الثالثة عشرة بشكل رسمي بحرية العقيدة والقيام بطقوس الأقليات الدينية، اليهودية والمسيحية والزرادشتية، وصرّح في المادة الرابعة عشرة بأن أصحاب العقائد الدينية، أو أولئك الذين لا يعتقدون بدين، إذا لم يقوموا بأي عمل أو مؤامرة ضد النظام الإسلامي فإنّهم يتمتعون بالحقوق الإنسانية كاملة.
إنّ حرية الاعتقاد لا ترتبِطُ بالعقيدة الدينية فقط، بل تشمل الاعتقادات السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية. وللسبب نفسه يصرّح الدستور في المادة الثالثة والعشرين: «إنَّ تفتيشَ العقائد ممنوعٌ، ولا يمكن المؤاخذةُ والتعرضُ لأيِّ شخصٍ لمجرّد امتلاكه عقيدة ما».
إنَّ المرادَ من حرية الفكر والمعرفة أنّه: لكلِّ فردٍ الحقُّ أيضاً في التفكير بالموضوع الذي يريده دون أن يكونَ لأيِّ شخصٍ حق بالرقابة على أفكاره وإدراكاته، وأن يُهيئ عواملَ تنتهي إلى التضييق الفكري عليه والمنع من نمو إدراكاته.
وقد أُشيرَ في القرآن الكريم بشأن حرية العقيدة الدينية أنّه (لا إكراه في الدين) (سورة البقرة/256) وبعدها يخاطب الرسول الأكرم (ص) بأنَّ يُذكّر بأن وظيفته هي التذكير، وليس الإلزام وإجبار الآخرين (فذكِّر إنما أنت مذكِّر لست عليهم بمسيطر) (سورة الغاشية /21– 22).
والواقع هو أنّ حقوق الأقليات من أبرز المشكلات المعقّدة والمثيرة للجدل في العالم، وعلى الرغم من تحول العالم بفعل العولمة إلى قرية كونية إلا أنّ هذه المشكلة لم تُحسم بعدُ.
ولقد حاول الإسلام تحديدَ العلاقة بين المسلمين والأقليات اللاتي تعيش بينهم، واعتبر القرآن الكريم أنَّ لهم حقوق المواطنة الكاملة، ويمارسون عبادتهم بكلّ حرية، وفي هذا المجال قرَّرَ الإسلامُ أصولاً عامة تحكم العلاقات بين جميع الأديان وهي تتلخص بالنقاط التالية:
1– الحياة الكريمة هي حق إلهي ثابت للجميع.
2– الإنسان حرٌّ، ولا يحقُّ لأيِّ فردٍ أو جهةٍ سلبه الحق في الحياة الإنسانية وبالتالي حريته.
3– التعبير عن الرأي.
4– الاستعمار والاستعباد محرمان قطعاً.
5– حقُّ الأمانِ ثابتٌ للإنسان في كلِّ المجالات في ما يتعلق بشخصه ومن يرتبط به من عرضه وماله.
وعلى هذا الأساس فقد اعترف دستور الجمهورية الإسلامية الإيرانية بحقوق الأقليات من الديانات الأخرى، كالمسيحية واليهودية والزرادشتية، وأصبح لهم نوّاب في مجلس الشورى الإسلامي (المجلس النيابي)، وفي الأحوال الشخصية، فهم يتمتّعون بحرية تامة وفق ديانتهم ومعتقداتهم، والمحاكم تحكم لهم طبقاً لذلك.
فالمادة 13 من الدستور منحت كلَّ واحد من الأقليات التالية (اليهودية والمسيحية والزرادشتية والأرمن) اعترافاً وحمايةً صريحين بها. فقد ورد في هذه المادة: (الإيرانيون الزرادشتيون واليهود والمسيحيون هم الأقليات الدينية الوحيدة المعترف بها التي لها الحريةُ في ممارسة شعائرها الدينية، في ما يتعلق بالوضع الشخصي القانوني والتعليم). ويخصّص البرلمان الإيراني خمسةَ مقاعد للأقليات الدينية المعترف بها: اثنين للأرمن، وواحداً للآشوريين والكلدانيين، وواحداً لليهود، وآخر للزرادشتيين.

الإمام الخميني ونظرته إلى الغير (الآخر)
بقي علينا أنْ نعلمَ كيف كان الإمام الخميني، مفجّر الثورة وباني الجمهورية الإسلامية في إيران، ينظر إلى الإنسان الآخر بشكل عام، مسلماً كان أم غير مسلم؟.
وللإجابة على هذا التساؤل نقول: لقد قسّم كهنةُ اليهودِ وحاخاماتهم الناسَ إلى قسمين اثنين: اليهودي -بزعمهم- هو الوحيد الذي خلقه الله بشراً سوياً، وحلّ فيه بروحه الإلهية، أمّا غير اليهود فأرواحهم أرواحٌ حيوانية، خلقهم الله بأبدان إنسانية، ليكونوا خدماً لليهود، فهم (أي غير اليهود) لا يصدرُ منهم إلا الشر، إلا ما يقومون به لصالح اليهود، فعندها يسمّى خيراً، ولذا فإنَّ اليهوديَّ بإمكانه فعل أيِّ شيء ضد الآخرين لتطويعهم وابتزاز طاقاتهم، وسلب خيراتهم، وتاريخهم الطويل –في أي بلد عاشوا فيه– شاهدٌ على ذلك.
وهناك كثرةٌ من المسلمين قد قسّموا العالم إلى دار إيمان (أي مسلم) وإلى دار كفر (أي غير مسلم) وعلى هذا الأساس تعاملوا مع الآخر، مع ترك باب الحوار والدعوة معه مفتوحاً.
أما جورج بوش الابن –الرئيس السابق للولايات المتحدة الأمريكية– فكان صريحاً بوقاحته كالصهاينة اليهود في وقاحتهم عندما قسّم العالم إلى فسطاطين بقوله: إما معنا أو علينا.
وهنا يأتي الإمام الخميني ليهزَّ أركان الظلم والاستكبار العالمي بثورته الإسلامية، فقسّم العالم إلى فسطاطين أيضاً، ولكنَّه لم يقسّم الناس بحسب معتقداتهم الدينية، ومذاهبهم الفكرية وقوميّاتهم وطوائفهم، إنما قسّمهم بحسب انتمائهم إلى معسكر الظالمين المستكبرين، أو إلى معسكر المظلومين المستضعفين، وكل معسكر من هذين المعسكرين يضمُّ تحت لوائه من كافة المذاهب والأديان والقوميات.
وبعد هذا التقسيم الفذّ النابع من القرآن الكريم، ومن تعاليم أنبياء الله ورسله، يؤكد الإمام الخميني وجوب المقاومة ضد معسكر الظلم والاستكبار، حتّى لو كان أتباعُ هذا المعسكر من المسلمين، ووجوب مناصرة المظلومين والمستضعفين حتى لو كانوا من غير المسلمين، مستنداً بذلك إلى قوله تعالى بهذا الخصوص: «ومالكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربّنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليّاً واجعل لنا من لدنك نصيرا» (سورة النساء/75).
وهل يوجدُ مصداقٌ أبْيَنُ وأصدقُ على ماجاء في هذه الآية الكريمة من الشعب الفلسطيني في داخل فلسطين، وفي خارجها، حيث يمثلون الاستضعاف في الأرض اليوم بكامل ما لهذه الكلمة من معنى!!.
ويخاطِبُ الإمام الخميني مستضعفي العالم –مسلمين وغير مسلمين– بقوله: «وأنتم يا مستضعفي العالم، وأيتها البلاد الإسلامية، ويا مسلمي العالم، انهضوا، واستعيدوا حقكم بكل ما تملكون من قوة». ويقول أيضاً: «نحن نشارِكُ جميع المظلومين في العالم آلامهم ونؤيدهم في قيامهم ضد الظلم ومطالبتهم بحقوقهم».
ويذكّر بأنَّ وصيَّتَه «لا تختصُّ بالشعب الإيراني العظيم، بل إنَّ وصيته إلى جميع الشعوب الإسلامية والشعوب المظلومة في العالم بمختلف قومياتهم ومذاهبهم».
وهكذا نرى أن مشروع الجمهورية الإسلامية الإيرانية مشروع إنساني يهتمّ بالإنسان ونصرته، أياً كان دينه ومذهبه وقوميته، وليس –كما صوَّره البعض المغرض– مشروعاً مذهبياً أو قومياً أو عنصرياً. وما تتعرّض له إيران اليوم من عقوبات دولية، وحصار اقتصادي وسياسي من قبل الاستكبار العالمي، إنّما هو بسبب نصرتها العملية للمظلومين والمستضعفين في العالم، وعلى رأس هؤلاء الشعب الفلسطيني المغتصبة حقوقه وأرضه.
د. تامر مصطفى
أستاذ جامعي في معهد الشام العالي

نقلا عن صحيفة “البعث”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تعليقات