“المواطنة بين التنظير والممارسة” في محاضرة بمدرسة الإعداد المركزية

تحت عنوان “المواطنة بين التنظير والممارسة”، طرح الرفيق د. عبد اللطيف عمران المدير العام لدار البعث، أمس أمام الرفاق الدارسين في دورة الإعداد الحزبي المركزية عدداً من الأفكار تمحورت حول تبدّل المفاهيم في العالم المتطوّر بتسارع كبير، وعدم ثبات النظريات أمام التعقيد والاضطراب في بنية المجتمعات الناتج عن الضخ الكبير للممارسات الجديدة، والأفكار التي لا تنسجم مع ما كان سائداً في الماضي، واتساع الهوة بين النظرية والممارسة، سواء كان على مستوى الأديان أو الأيديولوجيات أو الأحزاب، والإرهاق الذي أصاب الدول والأحزاب نتيجة لكثير من المتغيرات التي أصابت حياتنا، والانعزال الذي أصاب النظريات التي باتت حبيسة الكتب والمكتبات المهجورة اليوم لصالح التكنولوجيا الحديثة وثورة المعلومات، مشيراً إلى التوجّه البراغماتي باتجاه ثنائية السلطة والشعب من قبل السلطات السياسية والمالية والإعلامية على حساب نظرية المعرفة.
وأضاف د. عمران: بالرغم من الاحترام الشديد للنظرية المعرفية إلا أن الواقع والتاريخ أثبت فشل تطابقها مع الممارسة المعاصرة، وهنا لا يمكننا الانتقاص من أي نظرية معرفية لكن علينا أن نبحث في ممارسة القائمين عليها، وأشار إلى أن محاولات تشويه الخطاب القومي الذي نتبناه واتهامه بالتضخّم وابتلاع الآخر، ووصف مفهوم العروبة بالفضفاض، واتهامه بتجاهل المكوّنات الوطنية الأخرى في الوطن العربي، كالأكراد والسريان والآشوريين والبربر وغيرهم، هي محاولات تتجاهل الحقائق المثبتة بأن المفاهيم الوطنية والتحررية التي سادت في سورية، لم تنتقص من حقوق الآخرين، بل كان الجميع يتمتعون بحقوقهم كمواطنين بدون النظر إلى الطيف الذي ينتمون إليه فكان استقرار العيش المشترك في فسيفساء المجتمع السوري إنجازاً وطنياً وتاريخياً كبيراً.
وقدّم د. عمران التعاريف المتنوّعة للمواطنة تبعاً لسياقها في العلوم الاجتماعية أو السياسة والمجتمع والسلطة، ما يربط تعريفها بالزمان والمكان، فالمواطنة وفقاً لدائرة المعارف البريطانية علاقة بين الفرد والدولة، كما يحددها قانون تلك الدولة، لكن تطوّر العلاقات وتباينها بين الفرد والمجتمع والسلطة أدى إلى تغيّر المفهوم عملياً ونظرياً.
وعلى الأغلب فالمفهوم النظري للمواطنة ينطلق من تفضيل الارتباط بالوطن على جميع الانتماءات الحزبية والعرقية والدينية، ومن خدمة هذا الوطن، مع التمتع بالحقوق والحريات التي يضمنها الدستور والقانون، وترتبط هذه الحقوق (حقوق المواطن) بالواجبات (واجبات المواطن).
وفي حديثه عن المشاريع الدخيلة على سورية تطرّق د. عمران إلى ما يسمى المشروع “الجهادي” العالمي الذي يمكن تشبيهه بالمشروع الإحلالي الاستيطاني الصهيوني، والذي يقوم على ثنائية القتل والهجرة، وعلى إمكانية إقامة الدولة في أي مكان يصلون إليه بعد قتل سكان البلد الأصليين، ومع كل الدعم الذي يتلقاه هذا المشروع إلا أنه لا يمكن أن يصل إلى إقامة كيان ثالث على غرار أميركا والكيان الصهيوني، لأن من يقوم بدعم هذا المشروع لا يريد منه إلا تفتيت الدولة الوطنية وتدمير أسسها، ونزع الحدود وإلغائها في المنطقة، كما أن الجذر الفكري لذلك المشروع يكمن في الوهابية التي تقوم على قتل الأقرب أولاً، وبعدها قتل الجميع أياً كان، لذلك نرى ونلاحظ أن مجموع قتلى تلك الجماعات الإرهابية التي تقاتل في سورية والناتج عن اقتتالهم بين بعضهم أكبر من عدد قتلاهم أثناء معركتهم مع الدولة الوطنية.
وتفاعل الرفاق الدارسون بشكل ملفت مع الموضوع المطروح ومقولاته، لما له من أهمية وإسقاطات على ما مرت به سورية خلال سنوات الحرب الأخيرة ضد الإرهاب، وعرضوا عدداً من القضايا التي تهدف إلى تعزيز ثوابت الدولة الوطنية وأهمها المشروع الوطني للإصلاح الإداري الذي أطلقه مؤخراً السيد الرئيس بشار الأسد، وأشاروا إلى ما يتعرّض له بعض مواطني المناطق الساخنة جراء أخطاء فردية لبعض الأفراد والمؤسسات الذين لا يمثلون بالضرورة بممارساتهم المسيئة الرؤية الوطنية، والتي تولّد ضغطاً سلبياً على مفهوم المواطنة وتنتقص من الحقوق والواجبات، خلافاً لما تقوم به الدولة من ترسيخ المصالحة الوطنية والعيش المشترك، كما تطرّقوا إلى التفاوت الذي فرضته الأزمة في إمكانية ممارسة النشاط الحزبي والاجتماعي للبعثيين من محافظة إلى أخرى ومن منطقة إلى أخرى، وإلى مسألة تبني ودعم الجهود الرامية لاستعادة أعداد لا بأس بها من المواطنين الذين استعادوا رشدهم بعد أن غادروا مناطقهم إلى محافظة إدلب في إطار التسويات التي شهدتها مناطق عديدة، مطالبين بتبني الموضوع من قبل المجتمع والدولة ليكون سبباً في تسريع انتهاء الحرب وتخفيف وطأتها، وترسيخاً لحقوق المواطنين وعودتهم لممارسة واجباتهم الوطنية واستعدادهم لتقديم ما هو ملموس على أرض الواقع في هذا الملف، وحمّل عدد من المداخلين الإعلام الوطني مسؤولية ضرورة تبني هذه المواضيع والإضاءة عليها بخطاب متجدد وبوسائل متعددة.
كما ركّزت مداخلات الرفاق على تفعيل دور المؤسسات الحزبية ولاسيما في المناطق الساخنة في تعزيز مفهوم الوطن والمواطنة، وفي نشر المصالحات من خلال الانخراط الفاعل للرفيق وللمؤسسة في كافة قطاعات المجتمع.

ريف دمشق – بلال ديب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تعليقات