“النقد الأدبي بين الحضور والغياب في الصحافة المقروءة”في ندوة 

هذا المقال رقم : 15 من 60 من العدد 2018-9-6-16182

 

تكمن أهمية النقد الأدبي في أنه الدافع الرئيسي للارتقاء بلغة الكتابة، كما أن الأديب بحاجة إلى النقد الذي يقوم على كشف حقيقة الكتابة ويعرّف بها، وحول أهمية النقد للأعمال الأدبية ودوره في الكشف عن جماليات وسلبيات العمل الأدبي قدمت الزميلة “جُمان بركات” ورقة عمل بعنوان “النقد الأدبي بين الحضور والغياب في الصحافة المقروءة” في الندوة التي أقامها المركز الوطني للأبحاث واستطلاع الرأي أمس، بدأتها بتعريف الهدف الرئيسي للنقد الأدبي والذي يعنى بالدرجة الأولى بتحليل النصوص وقراءتها بعمق وتقديم تقويمات وأحكاماً تصنيفية تساعد القارئ على اكتشاف الأسرار الكامنة بين السطور وخلفها، فهو يكشف عن مواطن الجمال والقبح في محاولة لإثارة شعور بأن ما يقال صحيحاً. وبينت الزميلة بركات أنه في مجال الصحافة المكتوبة المعاصرة يقتصر النقد الأدبي في الغالب على التعريف بالعمل أو الكتاب وبمؤلفه مع ذكر بعض الأمور التي تخص هذا الجنس الأدبي أو ذاك، وقليلاً ما يقدم أحكاماً نقدية مهمة لها طابع الحرفية والتخصص.

شروط النقد والناقد

وكما أن لكل شيء في الحياة قواعد أيضاً النقد يلتزم بهذا الشيء عبر شروط أولها أن يكون الناقد على قدر وافر من المعرفة بمجال النقد وثقافة واسعة وشاملة تصل إلى علوم مختلفة، وأن يملك البصيرة الثاقبة التي تكون خير معين له على إصدار الحكم الصائب، فالأدب ونقده ذوق وفن قبل أن يكون معرفة وعلماً، وعاطفة الناقد أو توجهاته الأيديولوجية أو السياسية هي الدافع المباشر لقول ما يجب قوله وتحديد موقفه تجاه ما يعرض، أما خياله فهو وسيلة يستطيع الناقد توصيل صورة معينة تثير التساؤل في نفس القارئ من خلال لغته الناقلة لصورة مليئة بالحقائق.

وتطرح الزميلة تساؤلاً فيما إذا كان النقاد موجودين في وقتنا هذا على صفحات جرائدنا المحلية؟ وهل هيبة كتاباتهم ما زالت موجودة؟ فتجيب: “أتوقع خلال فترة الأزمة السورية أن الرأي الغالب والواضح هو غياب الكتابات النقدية الأدبية عن الصحافة السورية، إضافة إلى غياب كبير للدراسات النقدية المعمقة أو التخصصية عن صفحات المجلات النقدية التي تُعنى بالمجال الأدبي بمختلف أصنافه، لكن هذا الواقع لا يعني الغياب الكلي للنقد، فهناك من يسعى لتقديم مقالات نقدية مثل بعض المقالات التي تناولت القصة أو الرواية وغيرها في المجال الأدبي، وفي الوقت الذي نجد فيه أن النقاد الحقيقيين غابوا عن الساحة الأدبية ظهر بالمقابل مواقع جديدة لم تكن معروفة سابقاً أتاحت للجميع فرصة التعبير عن آرائهم وتقديم ما لديهم من أفكار حول الإبداعات الأدبية والفنية بمختلف أشكالها، منها مواقع التواصل الاجتماعي والبرامج الإذاعية والتلفزيونية”. وختمت بركات بمثال عن تجربتها الشخصية في مجال النقد قائلة: “على الرغم من خبرتي القليلة في مجال النقد والصحافة وكوني من “الجيل الشاب” عندما حاولت إبداء رأيي بمادة صحفية تتحدث عن عمل درامي ناقد للمجتمع السوري بحد ذاته، حاولت توصيف الأفكار لا أكثر، للأسف قوبلت المادة بالرفض لمجرد أنني قاربت الأمور بطريقة مختلفة عن المألوف. والسؤال الذي أود طرحه هل يمكننا كجيل شباب طرح أفكار جديدة نستطيع من خلالها تطوير وتجديد الأفكار المطروحة”.

وجاءت المداخلات على ورقة العمل متباينة، فقد كان موضوع البحث كبيراً واختلطت المفاهيم عند البعض، واحدة من المداخلات تحدثت عن الكتابة النقدية الحقيقية التي تتطلب استعداداً وثقافة عميقة ومعرفة واسعة في مجالات متعددة، إلى جانب الموهبة لأن النقد بشكل عام والأدبي بشكل خاص فيه جانب موضوعي يتطلب إعمال الفكر، مما يجعله مختلفاً عن كتابة الرواية أو القصة والشعر التي يجد فيها الكاتب نفسه على سجيتها في أحيان كثيرة.

دور الصحيفة في النقد

ورأت مداخلة أخرى أن الصحافة المتخصصة في النقد غائبة والصحف اليومية تخصص بعض الزوايا النقدية التي لا تتجاوز حدود الانطباع، فالصحيفة اليومية تغطي خبراً أو حدثاً في رؤية ما ولا تحتمل وجبة نقدية دسمة، وتطرقت إحدى المداخلات إلى الصحافة الورقية وكيف اختلفت بين مرحلة وأخرى، ففي الثمانينيات كانت الصحيفة تحتمل دراسات نقدية وأدبية أما في الوقت الراهن فقد اختلفت المعطيات والمرحلة أيضاً، وتابعت مداخلة في نفس السياق أن الصحافة العربية في الأساس هي صحافة نقد أدبي ثقافي وليست صحافة سياسية وتغطية إخبارية، إنما هذا النوع طارئ على الصحافة العربية، فمثلاً الأديب “طه حسين” في كتابه حديث الأربعاء الصادر في جزأين هو عبارة عن مجموعة مقالات كانت تنشر في صحيفة السياسة المصرية، فكان حضور الناقد والأديب في الصحافة طاغياً في تلك المرحلة.

كما تطرقت إحدى المداخلات إلى التفريق بين النقد الأدبي والتغطية الصحفية التي فرضت نفسها على الحوار الذي دار بين المتداخلين، فالنقد الأدبي معناه أنه كصحفي يجب كتابة مقال نقدي حول رواية أو ديوان شعر، وهذا كملاحظة أولية غائب عن الصحافة، وإن وجد فهو بطريقة نادرة جداً وأحياناً لا تتوافر فيه الشروط المفروض أن تتوفر في النقد، والصحفي مطلوب منه أن يتوفر لديه حد أدنى من المعرفة والثقافة حتى يستطيع أن يتعامل مع أي موضوع أدبي، وهذا من الضرورات فالقارئ العادي يحتاج أحياناً إلى أساس لكي يستطيع البناء عليه رأي فكيف إذا كان ناقداً.

إشكاليات النقد

ويعاني النقد الأدبي من إشكاليات في الصحافة منها من سيقوم بالنقد الأدبي؟! المحرر أم الصحيفة التي تحاول استقطاب مختصين يكتبون لديها، الإشكالية الأخرى أن النقد العربي الحديث مأزوم لأنه أسير الترجمات وهو نقد انطباعي لا يستطيع أن يبتعد وينأى بنفسه عن أن يكون نقداً منهجياً ويواجه النقاد العرب المعاصرون سواء في الحياة الأكاديمية أو في الصحافة مشكلة خطيرة جداً هي مشكلة الإسقاط التي تأخذ المقولة وتطبقها على نص مفارق للنتاج النقدي، لذلك حصيلتنا كعرب من الفكر النقدي المعاصر هي محصلة ضعيفة.

جيل الشباب

وفي إحدى المداخلات جرى الحديث عن اختلاف مفهوم النقد بين جيل الشباب والجيل الأقدم منه، فالبعض يجد أن المادة النقدية البسيطة والمعدة كرأي للصحيفة اليومية يجب أن لا تتجاوز 300 أو 400 كلمة كحد أقصى وتكون مكثفة وسريعة ومستوفية العناصر حتى لا يمل القارئ وتجذب الصحيفة الفئة العمرية التي تحبذ هذا النوع من الكتابات. وبسبب تعدد اتجاهات التفكير التي تنتج عن الفئات العمرية المختلفة رأى آخرون بأنه يجب الاستفادة من الشباب، وأن يعطى الجيل الشاب الفرصة لأنه وحده من يستطيع إخراج الصحافة من القالب الذي وضعت نفسها فيه ومهمة الجيل الأقدم هنا هي التشذيب والتوجيه الصحيح لإخراج عمل جيد.

عوامل غياب النقد

أحد الحضور تحدث عن أن غياب النقد كأساس مرتبط بغياب الآداب والتي هي سابقة على النقد، فلا يمكن المطالبة بنقد أدبي قوي بغياب آداب قوية أو آداب فاعلة مرتبطة بحركة المجتمع وبروحيته، ثم تطرق إلى سبب غياب الناقد والتي تلعب مجموعة عوامل بذلك منها ما هو مرتبط بواقع الصحافة في البلد وغياب مساحة النشر بالإضافة إلى القيمة المادية التي تفرض نفسها، فالصحافة لا تقدم معطيات ولا تسهيلات لممارسة النقد الأكاديمي فسيطر بالتالي النقد الصحفي القائم على الانطباع والذي يعاني من غياب المنهجية، ومرد ذلك إلى أن الصحافة المقروءة وخاصة في العشرين سنة الأخيرة تعاني من ضغوطات شديدة أدت إلى تخفيض مساحة النشر وخاصة الصفحات الثقافية في أي صحفية. واختتمت الندوة بتساؤلات حول إذا كانت الصحافة قادرة على الخروج من هذا الواقع؟ وهل الصحفي قادر على تقديم مادة نقدية عميقة وأكاديمية بمساحة كبيرة؟ وهل الصفحة الثقافية قادرة على استيعاب ذلك؟.

عُلا أحمد

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تعليقات