“النّبيذة”.. نّبيذ بتاء الـتأنيث.. تاريخ ورثاء وحنين

هذا المقال رقم : 14 من 74 من العدد 2019-1-11-16268

“تمدّدت وقربت مذياعها الصغير من أذنها تغطي عينيها بنظارتها الشّمسية لمزيد من التركيز، تدير مجسّاتها في اتجاه الربيع العربي تتابع أخبار ثورة الياسمين، يعجبها الوصف ويشرح صدرها، مزاجها في الأوج وهي لن ترد على الطبيب حين يناديها مدام شامبيون، ستبتسم بمكر وتقول له إن اسمها تاج الملوك، إيرانية من بغداد”.
هنا في المشفى حيث ترقد مريضة تلحظ “تاج الملوك” شرطياً يحرس غرفةً بعينها تكتشف أنّ شاغلها كان بمقدورها أن تجعله ضحيتها في لحظة تهورٍ تداركتها يوماً ما في الزمن الماضي. أمّا هناك وفي زمن سابق في بغداد سوف نتعرف على “تاج الملوك” شابة في أوائل عمرها متمردة على سلطة والديها والتي ستنتقل للعيش بعيداً عنهما وتعمل في مجال السكرتاريا في عيادة طبية، حيث يتيح لها شقيق الطبيبة الصحفي أن تشق طريقها في مجال الكتابة وبدعم تتلقاه من كبار الشخصيات والمسؤولين العراقيين حينها تتمكن من إصدار صحيفتها الرحاب في العام 1946، إلا أن الأمر لم يمنعها من رفض معاهدة بورتسموث التي أعطت امتيازات كبيرة للبريطانيين على حساب الشعب العراقي فكانت من أوائل المشاركات في المظاهرات الرافضة لها.

تاج الملوك والبادي
“تاجي عنقود من عنب أسود يعاند الأرجل العاصرة. نبيذها حلو، وهيمنتها على مذكراتي تضنيني.. كرهت التدوين.. لا أفراح في دفاتري الأخيرة.. أُمسك القلم وأتردّد أكتب نبيذ وأتأمل المفردة، أضيف إليها تاء التأنيث.. نبيذة”.
هكذا معها ومع سنوات عمرها الثمانين تأخذنا تاج الملوك و”إنعام كجه جي” صاحبة الرواية في رحلة حياة لشخصيات الحكاية الرئيسية الثلاثة، رحلة غنية بالأحداث السياسية الهامة التي تتعلق بالعراق في أحواله السياسية المتبدلة، ونخوض المغامرات الغنية والأسفار إلى الكثير من البلدان إثر تبدل الظروف حين عمت الاضطرابات البلاد نتيجة توقيع المعاهدة، حينها جاء من يهمس في أذن الصّبية المتمردة أن عليها مغادرة البلاد إن أرادت الحفاظ على حياتها فكان العرض الذي تلقته للعمل في إذاعة كراتشي هو القشة التي تعلقت بها، والتي ستتيح لها لاحقاً فرصة لقاء حب حياتها “منصور البادي” الشاب الفلسطيني ومن خلاله تتيح كجه جي الفرصة لحضور القضية الفلسطينية وتضيء على تاريخ فلسطين حين تستعين بعدد من الشهادات الحية لأشخاص عاصروا النكبة وعايشوا بدايات الاحتلال، سيكون منصور رفيق عمره “النبيذة” حتى أواخر أيام حياتها لكنه سيبقى الحب الذي لا يكتمل، إذ يتدخل القدر والظروف وتفرض على البادي أن يرتحل إلى مكان آخر حين يُطلب للعمل مستشاراً للرئيس الفنزويلي “هوغو تشافيز” بينما تدفعها الوحدة والفراغ للقبول بضابط فرنسي زوجاً لها تنخرط معه في العمل لصالح المخابرات الفرنسية حيث يتم تجنيدها وآخرين لتنفيذ خطة اغتيال واحد من أبرز القيادات الجزائرية “أحمد بن بله” لكنها ولسبب ما تتراجع عن المشاركة معلنة لمن وظفها أن المعلومات التي تم تزويدها بها خاطئة: “في لحظات قصار، هي البرهة بين زفير فاسد وشهيق نقي، استعادت رشدها، لم تتردد كثيراً وهي تنكث بوعدها لفرنسا، إنها جريمة قتل، وهي لن تكون شريكة فيها، طوت جريدتها ولم تحركها أمام وجهها، انتظرت نصف ساعة ثم قامت وخرجت من المقهى. (…) لم يأت معلوماتكم غلط، والرجل الطويل إلى اليمين؟ ليس الهدف”.

وديان الملاح
“تدخل الممرضة وهي تدفع عربة قياس الضغط، تتطلع إلى وديان وتنهرها:
– هذا الفراش للمرضى فحسب يا مدموزيل، هل تعرفين كم أنفق مشفانا لشرائه؟”
و”وديان الملاح” الهاربة من العراق وقد تركت فيه حبها الوحيد هي صديقة “تاج الملوك” التي ترافقها في مرضها الأخير، صحيح أنها في عمر ابنتها التي تزوجت وابتعدت عنها لكن العجوز الثمانينية تجد سلواها فيها؛ صبية من العراق تعرفت إليها في باريس حين أنقذتها من حرج وقعت فيه حين أضاعت بطاقة دخول واحدة من الحفلات الموسيقية الهامة، لتنشأ بين الاثنتين علاقة وطيدة كما الأم وابنتها، أم بذاكرة غنية بالحكايا والأحداث والمغامرات وفتاة تعاني عطب روحٍ لن يشفى وفراغ في العواطف، وخلل جزئي في سمعها، رغم ذلك وجد لها البعض وظيفة تناسبها كمعلمة للأطفال على آلة الكمان في جمعية خيرية، لكن ضياع بوصلتها يجعلها تضع موهبتها وحبها للموسيقا في ميزان الحلال والحرام والبحث عن فتوى دينية تنقذها، لتزداد إحباطاً وإحساساً بعداء الحياة لها فتصرخ: “هل لك، يا سماء الله العالية، أن تخبريني لماذا تسايرينها وتعاندينني؟ كل ما تنويه يتحقق، وكل ما أرجوه يتعثر، ألست أنا من مضيت إليها، أحمل هدية خفيفة ثقلها يضنيني؟ في جيبي وريقة هي مفتاح الهوى. ذلك الذي يدور سلساً في بابها ويصدأ في قفلي”. وكانت قد سعت جاهدة لجمع “تاج الملوك” بحب حياتها منصور الذي لم ينسَ حبيبته وعمل للوصول إليها رغم سنوات الابتعاد الطويلة، وحين اقتربت من إكمال مهمتها بدأت نوازع الشر تراودها وتمنعها من إتمام اللقاء.

تقاطع حيوات
هكذا يعود العراق ليحضر في رواية جديدة لإنعام كجه جي التي تبدو في كل عمل جديد لها أكثر تمكناً من أدواتها تمسك بخيوط الحكاية تتلاعب بها وبدقة متناهية وإتقان تحيك أحداثها وتضعنا أمام العديد من الشخصيات الإشكالية التي أغنت الرواية، وتقاطعت حيواتهم لسبب أو لآخر مع حيوات أبطال الحكاية حيث الجميع مفجوع بطريقة أو بأخرى سواء بفقدان أو خسارة ما ويشعر بالحاجة للانعتاق خارج كل الأمكنة، وحيث يتداخل الخيال مع الواقع في كثير من أحداثها، على امتداد مساحات العديد من البلدان والمدن، من العراق إلى فلسطين فبيروت وكراتشي وصولاً إلى فنزويلا وكراكاس وباريس الفرنسية، حيث في كل منها جذوراً ومنبتاً لحدث أو لشخصيات صحيح أن بعضها بات غير قادر على الحركة في وقت ما كما في حال تاج الملوك، لكنها احتفظت بذواكر عنيدة، وضعت “كجه جي” على ألسنتها حكاية؛ هي حكايتها أو سيرتها بشكل أو بآخر أو لعلها حكاية الأمهات والعمات أو الجدات، وتميل في الكثير من أجزائها إلى نوع من التسجيل التاريخي لفترات متعددة معتمدة على أسماء كان لها حضورها المؤثر في تاريخ العراق، فكانت الرواية في جزء كبير منها صورة للبلاد قبل أن تمتد إليها يد الخراب الداعشي والتجاذبات الدينية والحروب المتتالية التي فعلت فعلها في الوجه الحضاري لوطنها كما فعلت في العديد سواها.
بشرى الحكيم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تعليقات