الهجرة تقسّم الاتحاد الأوروبي

ترجمة: سمر سامي السمارة

عن موقع فالدي غلوب 27/6/2018

في الرابع والعشرين من حزيران 2018، كانت المواجهة الحقيقية الأولى لقمة الاتحاد الأوروبي غير الرسمية حول أزمة المهاجرين -وهي البداية فقط- والتي يواجه فيها النادي الأوروبي مخاطر جدية حول كيفية إدارة الهجرة الجماعية للملايين من الناس القادمين من أفريقيا والشرق الأوسط.

ذهب إلى بروكسل ثماني دول هي “فرنسا وألمانيا وإسبانيا وإيطاليا واليونان والنمسا وبلغاريا ومالطا”، إلى جانب دول أخرى انضمت إليها في اللحظات الأخيرة، والتي تجمعها مصلحة مشتركة هي الدفاع عن مواقفها الوطنية في المجلس من أجل التوصل إلى قمة الاتحاد الأوروبي على أرضية متفق عليها إلى حدّ ما، وعلى أمل فرضها على الدول الأعضاء الأخرى.

وحتى وقت قريب، كانت المشكلة في كيفية التعامل مع ما يسمّى بـ “مجموعة فيزيغراد” التي تضم “بولندا، المجر، سلوفاكيا، الجمهورية التشيكية، بدعم متزايد من النمسا” التي عقدت العزم بشكل متشدّد على عدم قبول “الحصص” المتعلقة بالمهاجرين وفق الاتفاقيات الأوروبية السابقة، حيث تجاهلت الموعد المحدّد للقمة غير الرسمية. لكن المشكلة الحقيقية الآن هي أن لدى الاتحاد الأوروبي على الأقل أربع مجموعات من الدول لكل منها أولويات وأهداف مختلفة: فألمانيا وفرنسا لا ترغبان بالمهاجرين القادمين من إيطاليا وبشكل عام من الجنوب أو البلقان. وبلدان البحر الأبيض المتوسط ​تعترض على القواعد الأوروبية التي تنصّ على أن “دول الاستقبال” هي المسؤولة عن طلبات اللجوء من البداية إلى النهاية، ولا تريد مجموعة أوروبا الشرقية التحدث عن اللاجئين على الإطلاق، وأخيراً باقي البلدان التي تعبت من حالة الهجرة الطارئة على أجندتها والنفقات المتزايدة في الميزانية الأوروبية.

أدى تولي الائتلاف السيادي الشعبوي في إيطاليا للسلطة “العصبة التي تولت رئاسة يمين الوسط وحركة الخمس نجوم” إلى تفجير الصراع الذي تمّ تأجيله بشكل كبير في السنوات الأخيرة. في الواقع، هو “إنكار” المشكلة، أو المحاولات غير الناجحة لإدارتها هي من غذى التقدم الانتخابي القومي في كل مكان، من ألمانيا إلى فرنسا وأخيراً إيطاليا، حيث قام وزير الداخلية “ماتيو سالفيني” بتغيير قواعد اللعبة تماماً، مستخدماً عبارات وأساليب لم يسبق رؤيتها في عواصم الدول الخمس المؤسسة للاتحاد الأوروبي.

لم يحدث من قبل أن أغلقت إيطاليا موانئها أمام سفينة مليئة باللاجئين كما فعل “سالفيني” مع سفينة أكواريوس، التي استقبلتها إسبانيا أخيراً. ولم يسبق لأي وزير في روما أن سمّى السفن المليئة باللاجئين بـ”رحلة بحرية” و”درب سهل” للسفر بحراً من أفريقيا، لم يملّ أي وزير صراحة على رئيس الوزراء- في هذه الحالة، جوزيبي كونتي الذي اختارته حركة النجوم الخمس، ولكنه رهينة بحكم الأمر الواقع لسياسة العصبة- ماذا يفعل وماذا يقول للشركاء الأوروبيين. إن الأنشطة غير المنتظمة لـ “سالفيني” قد وضعت باريس وبرلين اللتين اعتادتا الموافقة على كل خطوة تخطوها الحكومة الإيطالية في وضع صعب، حتى خلال سنوات “سيلفيو بيرلوسكوني” المليئة بالحماسة. وإذا اختارت أنجيلا ميركل الاستمرار بالاضطلاع بدور الوسيط، فإن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون اختار الصدام في حديثه عن السياسة الإيطالية ووصفها بأنها “ساخرة وغير مسؤولة”، بل إنها “الجذام الشعبوي المتقدم”.

كان انتقاد  قصر الإليزيه موجهاً ضد زعيم العصبة، لكن هذا الصدام غير المسبوق في حقيقة الأمر، ينطبق بشكل خاص على “سالفيني” نفسه. من المؤكد أن الالتفاف الفرنسي- الإيطالي لا يسهل مهمة أنجيلا ميركل، التي هي في خنجر موجّه مع وزير داخليتها “هورست سيهوفر”، الذي يشجع اتباع  نهج أكثر تشدداً تجاه المهاجرين، وأعطت  المستشارة الألمانية إشارة تعلن فيها عن رغبتها بعدم تجاهل المخاوف الإيطالية.

في هذه الحالة التي تُظهر فيها خلاف كافة الدول فيما بينها، يمرّ الاتحاد الأوروبي بمرحلة من حالات الطوارئ المستمرة، التي تلقي بظلالها على القضايا الملحة الأخرى: النزعة الحمائية الجديدة لدونالد ترامب، البريكست، نهاية سياسة التيسير الكمي للبنك المركزي الأوروبي “شراء الأوراق المالية لفرادى الدول” التي يمكن أن تؤدي إلى أزمات مالية جديدة في بعض الدول الأعضاء بدءاً من إيطاليا المثقلة بالديون العامة الأقل استدامة بشكل متزايد.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تعليقات