الوضع المعقّد والأسئلة الصعبة

هذا المقال رقم : 10 من 51 من العدد 2018-5-14-16103

 

لا شك في أن الوضع الإقليمي والدولي يزداد تعقيداً وتشابكاً، مما يجعل التكهن بمآلاته أمراً صعباً. ومن الطبيعي، في مثل هذه الحالة، أن تكون الأسئلة التي يثيرها هذا الوضع مستعصية، وغير قابلة لأجوبة قاطعة ونهائية… فأسئلة من قبيل: ماذا بعد العدوان الإسرائيلي الغاشم على سورية، والرد القاسي الذي تلقاه الكيان الصهيوني من جيشها الباسل؟، وماذا بعد انسحاب أمريكا من الاتفاق النووي الإيراني؟، وهل ستسمح إدارة ترامب وحلفاؤها لمحور المقاومة بقطف ثمرة انتصاره، وبالتالي هل ستقبل الولايات المتحدة بعالم جديد متعدد الأقطاب، وغير خاضع لهيمنتها…؟.
أسئلة من هذا القبيل لا يمكن الإجابة عنها بسهولة، ومع ذلك، فإن مقاربتها ممكنة إذا تمكنا من قراءة الواقع قراءة موضوعية، تبتعد قدر الإمكان عن تأثير الأهواء الشخصية التي غالباً ما تجعل الأجوبة تجسيداً لرغبات أصحابها، حتى ولو كانت هذه الرغبات منفصلة عن الواقع تماماً…
وبعيداً عما يردده الإعلام، ولا سيما إعلام الحلف المعادي الذي دأب على تزوير الواقع، وتضليل الرأي العام ببراعة لايمكن إنكارها، لا بد من ملاحظة بعض الحقائق التي لا يمكن لهذا الإعلام، مهما أوغل في التزييف والتضليل أن يطمسها. وأهمها أن الرد السوري القاسي على العدوان الإسرائيلي قد غيّر القواعد التي كان كيان العدو يفرضها دون رادع، استناداً الى ما كان يعتبره تفوقاً جوياً ساحقاً، فإذا به يكتشف أنه لم يعد كذلك، وأن الدفاعات السورية تمتلك القدرة اللازمة على التصدي له بكل كفاءة. وهذا ما يجعل العدو الصهيوني يفكر ألف مرة قبل الإقدام على خوض حرب واسعة، وهو يرى التراجع الدراماتيكي في فاعلية سلاحه الجوي الذي كان يشكل المصدر الأول لقوته التي لا تقهر حسب زعمه. ولو كان الأمر غير ذلك، لما تردد العدو في إشعال نار الحرب رداً على الرد السوري، لكنه اكتفى، بدلاً من ذلك، بالتركيز على الحرب الإعلامية والنفسية لإيهام الرأي العام في فلسطين المحتلة والخارج بأن الردود تأتي من القوات الإيرانية الموجودة في سورية، في محاولة مكشوفة لحرف الأنظار عن ازدياد قوة الجيش العربي السوري، بعد ثماني سنوات من الحرب الإرهابية التي افترض الصهاينة أنها ستقضي عليه وعلى دولته الوطنية، فإذا به يخرج منها أكثر قوة، وأشد عزماً على تحرير كل شبر محتل من أرضه، ولتأليب المجتمع الدولي ضد إيران التي تشكل طرفاً أساسياً في حلف المقاومة، وتساعد سورية في محاربة الإرهاب التكفيري.
ويمكن القول إن الولايات المتحدة بدورها ليست في وضع عسكري يسمح لها بشن حرب واسعة، وإن وجودها الاحتلالي في منطقة غرب الفرات لا يمنحها القدرة على ذلك، لأنها لا تمتلك الإمكانيات البشرية اللازمة لمثل هذه الحرب، ولأن قاعدتها هدف سهل لأصحاب الأرض وحلفائهم. ومن هنا، ودون أي تقليل من قدرات الولايات المتحدة وحليفتها الصهيونية، ليس هناك معطيات موضوعية تؤكد على أن الحلف المعادي للدولة الوطنية السورية يستطيع الرد عليها بحرب واسعة النطاق لإيقاف انتصارات جيشها المتلاحقة، وضرب قدراتها الدفاعية التي أصبح العدو يحسب لها ألف حساب…
أما بالنسبة للانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي، فهذا عمل يرضي الصهاينة بالدرجة الأولى، ولا يشكل أي تهديد خطير قادر على ليّ الذراع الإيرانية، ولا سيما بعد أن أكد الأوروبيون التزامهم بالاتفاق. ولكن، حتى لو تمكنت الإدارة الأمريكية من النجاح في الضغط عليهم، ما يبدو مستبعداً حتى الأن، ودفعهم الى الانسحاب على طريقتها، فإن ذلك سيفتح أمام إيران باب العودة الى تخصيب اليورانيوم، ما سيضع الولايات المتحدة أمام خيار عسكري لا يبدو أنها مستعدة للإقدام عليه. ومن هنا فإن عملية الانسحاب هذه، وفي ظل الموقف الأوروبي، تبدو وسيلة أمريكية للضغط على إيران بهدف فتح باب التفاوض معها على إيقاف برنامجها الصاروخي، وعلى ملفات المنطقة، وهو الأمر الذي ترفض إيران بشدة ربطه بالاتفاق النووي مهما كانت النتائج.
معنى هذا أن الحلف المعادي بات يعرف أن خيار الحرب لن يستطيع إيقاف المسار الانتصاري لمحور المقاومة. لكن هذا الحلف الذي يضم الرجعية العربية بزعامة المملكة الوهابية، ما زال يملك الكثير من أوراق الضغط، والقدرة على إفشال الحلول التي لا تلبي مصالحه، فضلاً عن الكثير من الوسائل الناعمة للاستمرار في حربه ضد سورية ومحور المقاومة كله، لأنه يدرك تماماً أن هذه الحرب هي في أبعادها ونتائجها، حرب عالمية، وعليها يتوقف مستقبل العالم، وشكله الجديد.
محمد كنايسي

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تعليقات