امرأة الوقت

هذا المقال رقم : 13 من 70 من العدد 2018-10-12-16208

 

سلوى عباس
يا امرأة الوقت.. أعرف أن وداعك محزن.. لكني أتيت.. وأعرف أني لن أتعوده، لكني دائماً أرى نفسي على رصيف المحطة أتابع حركتك.. وأرقب يدك تلوح لي من فوق الكرسي فيلوح ما تبقى لدي من روح.. كنت أقف أعب من صورتك مؤونة لأيام ستغيبين فيها عن العين.. ثم أطلق وراءك ملاكا حارساً يحمي خطوك ويدعو دائماً لك بسلامة الإياب.. ويهدل فوقك أمنيات السعادة..
أنا لم أستطع أن أرحل عنك.. ولا أن أقصيك عن وجودي، فلا تسأليني عن الذي يشغل بالي.. تلك اللحظات التي تنشغل أفكاري عنك تكون لك.. وتلك الساعات التي تفلت مني وأنا في بعادي عنك، تكوني فيها غارقة في قلبي مطوقة بحناني ترعاك أفكاري وأحلامي ومشاعري.. أحملك معي أينما أرحل.. أحملك بكلماتي.. أحضنك بأوراقي.. أنت في اللحظة التي ألتقي فيها ذاتي.. أنت في المكان الذي أرحل فيه إلى ذاتي.. تنبضين في أعماقي.. أخاطبك دون أن تسمعيني.. أراك وأظللك بالحب دون أن تريني.. وحين يلفحك الشوق إلي تريني في عينيك مغروساً في نظراتك أسرق منها الشوق كي لا تدمى عيناك.. أنا لا أرحل عنك أبداً.. قدري أن أذوب وأنت في العمر شمعة تذيب العمر.. قد ترينها وقد لا ترينها، لكنها مغروسة في طريقك تراك وترعاك أينما كنت وكيفما ذهبت.. قلبي لك فاعزفي على أوتاره ألحانك.
هذا الفرح الذي يتدفق من عينيك ينتشر في عالمي طيفاً من ألق.. سريعا تنتقل عدواه إلى مسامي، إلى عروقي.. إلى خفقات قلبي فتنبض بك وتهتف لك وتحتويك بحنان يتفجر من كل ذرة في كياني ليحبك.. هذا الصوت المنبعث من كل مكان يملأ الأماكن بحضور سحري، يملؤها ضجيجياً وصخباً وأنساً يفجّر الصمت، يسكت الملل ويتدفق هادراً يحكي صداه في المسامع والآذان.
أبداً.. لا تستطيع كلماتي مهما استفاضت واسترسلت أن تقول وتنقل لون المشاعر التي تنتابني.. إنها ذاتية التفاصيل.. ذات خصوصية لا تندرج في وصفها كلمات تناقلتها الأجيال للأجيال.. إنها مشاعر انبعثت من خصوصية حكايتنا.. من غرابة حبنا ومن كل الدهشة التي لم تنطفئ أبداً من مقلتينا.. لا تفارقني ملامحك وأنت تحدثينني وتداري عني خيبتك بالحياة وكلماتك مسبوكة بقالب من حزن: لا تشغل بالك بي فأنا أنثى فراشة عتيقة سرقوا مني ألواني وجميع زهوري، أنا في تاريخ البكاء غيمة بحر غامض لا يرى إلا وجهه.. مطر ينزع ثوب التعب عن أرواح من أحببتهم يوماً.. أنا عراء ينام بلا غطاء وصدى يتردد في الصمت.. في كتب العشق أنا أميرة.. وعلى الأرض غصن تعبث به الريح.. حاكمي هو قلبي.. وعقلي ينير الشمس.
وها أنا بكل ما يملك قلبي من طاقة على الحب أقول لك ما أروع أن تخلخلي المدى.. بعضهم يظنك النداء وبعضهم يظنك الصدى.. وهاهو الصدى يعود بعد دهر من الغياب ليقول لك: أيتها السوسنة البرية.. إنما نكبر وعطرك يرسمنا حلما آخر يشبه المستحيل.. وقبل أن أمضي همسة أخيرة.. حقاً قد يكون الجبل بعيداً لكننا –أنا وأنت- نسمع جيداً ونعي معنى أن يتحول الإنسان إلى صرخة.. بعدك على بالي وتسكنين روحي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تعليقات