انتقال القوة وصعود الصين

 

يثير صعود الصين والانحدار النسبي للولايات المتحدة مشكلة تحول القوة، أي الطريقة التي تتحدى بها الدولة الصاعدة، وتحل محل دولة مهيمنة أو مجموعة من الدول، ويرى العديد من المحللين أن دعوة الصين بالاعتراف السياسي والجيوسياسي، وبنموها الاقتصادي الهائل، وقوتها العسكرية المتصاعدة، تعزز القلق لدى القوى العظمى، ولاسيما الولايات المتحدة، حيث يعتقد البعض أنه للحفاظ على هيمنتها يجب أن تكون الولايات المتحدة مستعدة لإعلان الحرب.
يرتكز النقاش الحالي على “التهديد” الذي تشكّله الصين، حيث يمكن تقدير قوة بلد ما في الشؤون الدولية من خلال عدد من المعايير: قدرته العسكرية التي تستمد بدورها في جزء كبير من قوته الاقتصادية، ورأس ماله البشري والاجتماعي، إذ يفضي حجم ومستوى سكانه، وأخيراً، قيمه الأخلاقية والأيديولوجية، إلى صعود “قوته الناعمة”.
من الاتكالية إلى الاعتماد
المتبادل التنافسي المستدام
انتقلت الصين بعد “الانفتاح” في عام 1979 من مرحلة الاتكالية الهامشية إلى مرحلة الاعتماد المتبادل التنافسي المستدام، في المرحلة الأولى واصلت الصين الإصلاح الاقتصادي في ظل هيمنة الحزب الشيوعي الصيني، كانت التسويقية والخصخصة المحدودة تدعم التحركات باتجاه السوق العالمية، في البداية شهدت الصين فترة من الاتكال على الدول الأساسية الغربية، في الوقت الذي طورت فيه صناعاتها التصديرية المرتكزة أساساً على التصنيع المكثف للعمالة،
كان يعتقد على نطاق واسع أن الصين ستتراجع نتيجة التنافس مع القوى الاقتصادية الغربية المتفوقة، وستصبح مورداً للمواد الهامشية للمنتجات ذات القيمة المنخفضة، كمدخلات للإنتاج والخدمات التقنية الغربية.
لقد نجحت سياسات اتفاقيتي التجارة العالمية، واتفاقية “الغات” الاتفاقية العامة للتعرفة الجمركية والتجارة، في انفتاح التجارة العالمية التي استفادت منها الصين بشكل كبير، وأصبحت “قوة صاعدة” تعتمد على الدول الأساسية من أجل الاستثمار والأسواق.
كانت النتيجة غير المتوقعة لانفتاح الأسواق هي أن العولمة أدت إلى النجاح في السوق العالمية، وتعزز تنقل رأس المال في ظل ظروف التجارة الحرة والتنمية، وانتقلت الصين من دولة هامشية إلى دولة الاعتماد المتبادل التنافسي المستدام، لم تصبح الصين مورداً رئيسياً للسلع المصنعة في السوق العالمية فحسب، بل إنها نجحت في منافسة البلدان الصناعية الغربية ذات العمالة مرتفعة التكلفة، مع الحفاظ على اقتصاد تقوده الدولة، وعزز الاعتماد المتبادل للصين، وأدى إلى انخفاض في القوة الاقتصادية النسبية للبلدان التي تقع في قلب الرأسمالية العالمية، وفي مقابل الواردات الرخيصة، عانت من تراجع التصنيع والافتقار للقوة العاملة.

التوازن المتغير للإنتاج الاقتصادي
قد يقاس صعود الصين الاستثنائي من خلال تراجع الناتج المحلي الإجمالي للدول الرئيسية الغربية في إسهامه العالمي، وقد ارتفعت حصة الصين من الناتج المحلي الإجمالي العالمي من نحو ثلاثة في المئة في عام 1980 إلى 17 في المئة في عام 2015، فيما يتعلق بتزايد المحلي الإجمالي الذي حققته الصين مع الولايات المتحدة الأمريكية في عام 2015، يستخدم الإحصاء المستخدم في الصين مقياساً مختلفاً للناتج المحلي الإجمالي الذي يضع الصين في المرتبة الثانية، ليس فقط للولايات المتحدة الأمريكية ولكن أيضاً للدول الأوروبية الرئيسية “ألمانيا وروسيا”.
وبينما يظهر الدخل القومي الإجمالي للبلدان، تتغير الصورة إلى حد ما عندما ننظر إلى دخل الفرد، حيث تتخلف الصين بشكل واضح عن الدول الغربية، ففي عام 2015، كان إجمالي الدخل القومي للفرد يقاس بالقوة الشرائية بالدولار ليبلغ 13,345 للصين، و 28,286 لروسيا، و53,245 للولايات المتحدة الأمريكية، كان أعلاها النرويج بـ 67,614 دولاراً أمريكياً للفرد.
في مقياس أكثر شمولاً للرفاه وضعه مؤشر التنمية البشرية للأمم المتحدة- بما في ذلك العمر المتوقع وسنوات الدراسة والدخل- جاءت الصين في عام 2016 في المركز 90 في الترتيب العالمي، متأخرة بكثير عن روسيا “49”، والولايات المتحدة الأمريكية “10”، استخرجت البيانات من تقرير التنمية البشرية 2017.
تؤدي هذه البيانات إلى موقفين مختلفين أولاً: أولئك الذين يؤكدون حلول الصين “والقوى الصاعدة الأخرى مثل الهند” محل القوى الغربية، ثانياً: المحللون الذين يشددون على الفجوة الكبيرة جداً بين اقتصاد الصين والغرب، بالإضافة إلى الاختلافات التنموية الكبيرة.
وفي حين أن المجموعة الأولى تأخذ في الحسبان ديناميكية التغيرات في العلاقات، تؤكد الثانية على الفرق الكبير في الظروف الواقعية بين الولايات المتحدة والصين، ومع ذلك يدرك جميع المحللين أن هناك تقدماً اقتصادياً وتضيقاً كبيراً في الفجوة بين الصين والقوى الغربية الكبرى، تمثل الصين تحدياً، ولكن هل سيؤدي ذلك إلى انتقال القوة الذي قد يقود إلى الحرب؟

التوازن العسكري
المعلومات الاستخباراتية حول القوة العسكرية في بلد محاطة بالسرية، ومع ذلك، يمكن للخبراء إجراء تقديرات مقارنة من البيانات المنشورة، ومثل هذه المصادر هي الأساس الذي تقوم عليه الدول الصديقة والمعادية في وضع سياساتها.
يتوضح الإنفاق العسكري الضخم للولايات المتحدة وحلفائها مقارنة بالصين، من الناحية المالية تنفق الولايات المتحدة الأمريكية أربعة أضعاف ما تنفقه الصين، وبعبارة أخرى تمثل الولايات المتحدة الأمريكية 38.2 في المئة من الإنفاق العسكري العالمي مقارنة بنسبة 9.2 في المئة في الصين، دون إغفال الزيادة في الإنفاق الصيني “24.8 في المئة” في الفترة 2016-2017.

المعدات العسكرية
ينعكس هذا الإنفاق في المعدات العسكرية المتاحة لكلا الجانبين لدى الولايات المتحدة تفوق عسكري كبير، ولكن ليس في كل شيء، يمكن للمرء أن يدرك مسألة جودة الأسلحة والقيادة العسكرية، حيث توفر هذه البيانات مقياساً جيداً، فالولايات المتحدة تتمتع بتفوق ساحق في القوة الجوية، حيث لديها ما يقرب من ستة أضعاف عدد الصواريخ البالستية العابرة للقارات، أكثر بمرة ونصف من عدد الطائرات التكتيكية، على الرغم من امتلاكها قاذفات أقل.. إن الصورة المتعلقة بالقوة البحرية غير واضحة نوعاً ما، هناك تكافؤ تقريباً في السفن الحربية، لكن هناك اختلالاً شديداً في حاملات الطائرات، حيث يوجد لدى الولايات المتحدة أكثر من 11 ضعفاً في عدد حاملات الطائرات مقارنة بالصين، وهذه تشكّل منصات هجومية وتعزيزاً إضافياً للتفوق الجوي للولايات المتحدة الأمريكية، أما الصين فهي قوة برية، حيث تمتلك قوة تزيد عن مليوني جندي نظامي، مقارنة بـ 1.348 مليون لدى الولايات المتحدة، ولدى الصين أيضاً 6740 دبابة، أي أكثر من ضعف عدد ما تملكه الولايات المتحدة الأمريكية، كما تمتلك الصين أكثر من 13000 قطعة من المدفعية، وهو ما يشكّل ضعف ما تملكه الولايات المتحدة الأمريكية.

توتر متزايد
تواجه الصين، وعلى خلفية الانحدار الاقتصادي الغربي النسبي، بطرق وسياسات حاسمة مختلفة صادرة عن الولايات المتحدة الأمريكية، فقد ردت الولايات المتحدة على الصين من خلال “محورها في آسيا”، ثم سياسة “إعادة التوازن في آسيا”، وواجهت الصين تحديات متزايدة لأمنها، كما أن الحرب التجارية تتهددها، وهي تواجه القوات العسكرية الأمريكية الضخمة المتمركزة في المحيط الهادئ.. تعتبر الصين اليابان أيضاً تهديداً لموقعها كزعيم في المحيط الهادئ، لقد تفاقمت هذه النزاعات التجارية بسبب الخلافات التاريخية مع اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان، إضافة إلى الفلبين، استبعد تشكيل الشراكة عبر المحيط الهادئ (TPP) الموقعة في شباط 2016، الصين.
ستواجه الصين تعريفات أكبر على الصادرات، ورغم أن الولايات المتحدة لديها تفوق في العديد من أشكال المعدات العسكرية، تعتبر الصين خصماً عسكرياً كبيراً، ومع ذلك فإن قوة الصين في القوات البرية والدبابات أقل صلة بالحرب الحالية، والولايات المتحدة الأمريكية مهيمنة بشكل واضح على الجو، وقد تؤدي هذه التغييرات المتزايدة في مواطن القوة النسبية للغرب إلى انتقال القوة بوسائل سلمية أو بالحرب لإنهاء هيمنة الغرب.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تعليقات