بابا نويل بالألوان

 

في المطالعة الأدبية والقانونية الباهرة التي أدلى بها الأديب الروسي الكبير “فيودور دوستويفسكي” -1821-1881- على لسان المحامي إيفان أحد أهم أبطال رواية “الأخوة كارامازوف” ولسان حال العقل في الرواية الآنفة الذكر، يندد إيفان وبشدة بكون لا وجود لمفهوم العدالة، سواء هنا في هذا العالم الموجود، أو في الماورائي والغيبي، ودليله على هذا، هو المصير الفجائعي للكثير من الأطفال بل معظمهم، والقسوة الشديدة التي يعانون منها في الحياة الصاخبة بالحروب والفقر والويلات، فهم الضحايا البريئة للحروب ولظروف القهر الاجتماعي وتدني المستوى المعيشي، حتى أن السماء لا تتدخل لرفع معاناتهم، وكأنها مراقب حيادي بارد لا يستفزه حالهم، أو لعلها أيضا عدسة باردة لمصور لا يريد أن يتدخل في عمل الطبيعة، كما يحصل مع المصور الذي يصور عملية افتراس قاسية مثلا، رغم أنهم أي الأطفال كما تصفهم الكتب المقدسة، صفحات بيضاء ولا ذنب لهم في النزاعات الدامية وما تخلفه من تدهور الأوضاع الاجتماعية والمادية والإنسانية، التي ينعكس تأثيرها مباشرة على هذه الشريحة العمرية الهشة، حيث يورد صاحب “الجريمة والعقاب” العديد من الأمثلة عن أطفال قضوا نحبهم بقسوة بالغة بعد معاناة لا يجوز أن يتعرض لها طفل بريء، منهم تلك الطفلة التي قضت من البرد بسبب زوجة أبيها، والطفل “إيليوشا” الذي قتلته حقيقة الحياة المطلقة، بعد أن اخترقته قسوتها مرة واحدة وإلى الأبد، فلو كان للعدالة وجود لما صارت حالة الأطفال إلى ما صارت عليه، باعتبارهم بلا أي خطيئة.

هذه المعضلة الأخلاقية والإنسانية التي اتكأت عليها المرافعة الأخلاقية الأشهر لصاحب “المراهق” وبعد مرور أكثر من قرنين على ماقاله “فيودور” ما فتئت تنكأ الجراح قديما وحاضرا ولا ريب أنها ستفعل مستقبلا أيضا، مهما اخترع البشر من حلول نصف سماوية ومؤقتة، طالما أن الحرب هي قدر البشر ما بقوا موجودين في هذه الدنيا، رغم المحاولات التي قدمتها بعض هذه الحلول البسيطة للتخفيف وليس الحل، ليتضح بأنها غير مجدية بقدر ماهي للتلهية لا أكثر، حيث يعتقد العديد من الباحثين الاجتماعيين، أن شخصية “بابا نويل” ما هي إلا محاولة متأخرة للتعويض من الذين اكتشفوا قسوة السماء المفترضة على الأطفال، وكونهم عاجزون عن فعل أي شيء قدسي يرد الظلم عن من لا ذنب لهم في أي شيء مؤسف وله نتائج كارثية على البشرية، فقد قاموا باختراع شخصية قريبة من التصور الديني – شكل بابا نويل- تعمل على تحقيق أماني بعض الأطفال، ولكن هذا لم ولن يلغي أن كل هذا القهر والظلم والأسى الواقع على الطفولة واليوم وليس في الأمس الذي نذكر وننسى، لا شيء في الدنيا يرفعه، من يرفع الظلم عن أطفال سورية والعراق وفلسطين ولبنان واليمن وليبيا وغيرها من الدول التي نكبت بأسوأ أشكال الإرهاب في التاريخ؟.

تحتفظ سجلات الأمم المتحدة بأكثر من 150 معاهدة تضمن حقوق الأطفال، حق اللعب وحق التعليم وحق الترفيه وحق شرب الحليب وغيرها من الحقوق التي يقول من يقرأها: يا لها من طفولة مقدسة تلك التي يحياها أطفال كوكب الأرض، إلا أن الحق الرئيسي والحقيقي الأول للكثير من الأطفال في العالم، هو حق الحياة أولا وقبل أي شيء، فهل هذا يحدث؟ هل حقهم في الحياة نالوه وانتهى الأمر؟ تخبر إحصائيات البشر عن كون الأطفال هم أكثر من قضى – نسبة إلى عددهم- كضحايا حروب ومجاعات وأوبئة وغيرها، ورغم كل مشاهد الأسى الحية التي نقلتها كاميرات الحروب قديما وحديثا، إلا أن النفاق العالمي الذي بات هو حال هذه المؤسسة العالمية الهزلية، يؤكد يوما بعد يوم مدى التسييس الذي تتضمنه هذه الاتفاقيات والمعاهدات، حيث تعتبر مثلا الطفل الفرنسي والأمريكي طفلاً وله كل حقوق الطفولة، أما الطفل الفلسطيني والسوري واليمني، فهؤلاء ليسوا أطفالا، وما من حاجة لإنقاذهم من الحرق بالفوسفور، الذي ينسف أجسادهم الصغيرة، عدا عن كون الواجبات التي يقدموها للأطفال في هذا العالم البائس والتي هي في معظمها لذر الرماد في العيون، هي لا تعدو عن كونها “بابا نويل” آخر أيضا ولكن بشكله السياسي هذه المرة، فمنطقها وأسلوبها، هو نفس المنطق ونفس الأسلوب، في التعامل مع القسوة التي يتعرض لها الكثير من أطفال العالم، فمقابل حرق الأطفال بالسلاح الذري، كما حدث في هيروشيما التي اشتهرت بكونها أول مدينة تتعرض للإبادة الذرية “1945” على سبيل المثال لا الحصر، قامت الأمم المتحدة بتقديم المزيد من الحليب المجفف والبطانيات لأطفال المدينة المحترقة! وحتى اليوم يحدث في هيروشيما أن يجيء أطفال مشوهون في هذه المدينة، بتأثير من الأثر الشعاعي الهائل الذي تلقاه البشر والحجر بعد أن ألقت عليها بلاد العم سام “ليتيل بوي”، وللمفارقة أنه في هذه البلاد يقع مبنى الأمم المتحدة ليس بعيدا عن عالم الميلاد والسيد “نويل” وغيرها من القصص المبهجة التي تحملها فرحة ميلاد النبي “اليسوع”.

طلبت الصغيرة “ألمى” من بابا نويل الذي حكت لها أمها عنه، أن يعيد أخاها ماهر، الصبي الذي دخل في الغياب منذ عام تقريبا، وعلى التلفاز طلب طفل فلسطيني إلى بابا نويل أمام الكاميرا، أن يرد أمه التي رحلت عنه وبقي يتيما بعدها وليلاقي ظروفا صعبة ليس من العدل في أي شيء أن يتحملها طفل، أيضا طلب كل من شاهد فيديو “الوالد القاتل” أن يختفي هذا النوع من الآباء القتلة المجانين، ليس من الحياة فقط بل من الذاكرة، والآن يا سيد”نويل” القادر على الخروج في أي وقت وبالشكل الذي تريد، كيف ستحل هذه المعضلة؟ هل تستطيع فعل ما تم ذكره؟ يعني مثلا هل تستطيع أن تخرج الرصاصة من جسد محمد الدرة، الطفل الذي مات قتلا أمام كاميرات السماء وتحت أنظارها، وتهديه عوضا عنها حياة، ولو كان أمام الكاميرا أيضا.

تمّام علي بركات

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تعليقات