“بعد العرض”: ما بين الخطابين الدرامي والنقدي

يتيح برنامج “بعد العرض” الذي يعقب العروض الدرامية، لمن يراه، أن يرى العمل الدرامي ببنيته الكلية، وبموضوعاته التي قد تنال شيئاً من التشريح، فضلاً عما تأخذنا إليه بضعة تحليلات، مثلاً، من توصيف لعمل ما بغية الوصول إلى المتعة والمعرفة التي تبدو بدورها كشرط ناجز لوصول العمل إلى المتلقي.
ويحدث أن تُعرض أعمال عبرت زمنها، ولم يكتف جمهورها منها، يحدث أن يستعيد الحديث عنها الكثير من إشكاليات العمل الفني، وشروط عرضه، ومقولاته بصرف النظر عن زمن العرض، وما يشي به من قضايا مختلفة عن الراهن الذي يذهب إلى تحليلها، ومن الجلي الواضح أن الخطاب الدرامي في أعمال تتصل مثلاً بالماضي، لن يكون على وتيرة واحدة، فثمة تنوع ما بين الرؤية الإخراجية، وقيم العمل الدرامي، هذا التنوع من شأنه أن يضيف إلى ما نقصده بالقيم الفنية التي تأتي ليس على حساب النص، وإنما تأتي استيعاباً للحظة التي ينتج فيها هذا العمل، وما يمكن أن يتيحه من تطور ما، فعرض عمل ينتمي إلى مرحلة زمنية ما، هذا لا يعني انتقاصاً من العمل، وتغييراً في شروطه، يمكن هنا فقط النظر بجدية إلى المجال الذي يتطور فيه الخطاب الدرامي في زمانه، ومكانه، ولغته، وإبداع نجومه، وكذلك الموقف الفني المصاحب لما تشكله حالة العمل المقصود، لكن الخطاب النقدي الذي يمكن له أن يتفحص جملة من الأعمال التي تشكل في زمنها لحظة ما في تاريخ الدراما وصيرورتها، لا يذهب بالضرورة –في قراءته- إلى الانطلاق من منصة الراهن، ذلك ما يعوق القراءة، ويستدخل شروطاً لا تدخل في حساب العمل، لأننا نفترض أن ثمة تطوراً لافتاً عبرته درامانا خلال زمنها لتدخل فيما ندعوه هنا بالحداثة والتشكيل على مستوى الصورة والرؤية، وكذلك المقولة المعاصرة، وعليه ينكشف النقد كرؤية أبعد من أن تذهب إلى مجرد التوصيف أو الانحياز لما استقر في الذهن، أو استظهار ثوابت نقدية قد يتجاوزها العمل، وقد يتخلف عنها تبعاً لسياقه، وإن جاز التعبير “كونه درامياً”، ومن هنا فإن تنوع الخطاب الدرامي كما أدواته ومنتجيه أيضاً قد يسهم في إغناء العمل، وإضاءته، وليس اختزاله في بعد واحد، وليس بالضرورة أن يشكل رضى ناجزاً عن العمل، أو مصادرة له، وذلك ما يستتبع وضوح الخطاب، وتحديثه بتنوع منتجيه ليشكل خطاباً معرفياً لن يكتفي بالسعي الحثيث وراء قصديات كاتب العمل، ومحاولة قراءة الرؤية الإخراجية التي تقدم ذلك الشكل أو غيره، ما يعني أن التشاركية في الخطاب النقدي الدرامي، تشاركية التنوع والأداء، كما القراءة هي القيمة المضافة التي ينتظرها المتلقي ليستعيد زمن أعمال أحبها وأبهرته في زمنها، لكن قراءتها حاضراً لا تعني استدخال شرط المعاصرة فيها عنوة، فهي لحظة، كما أسلفنا، في تاريخ وتطور درامانا الوطنية، فثمة مشروعية لتلك الأعمال، وبالمقابل ثمة مشروعية لخطاب نقدي مغاير يتيح الحوار معه الوقوف أبعد من مجرد رؤية “ثيمات” العمل ليستخلص المتلقي ما يمكنه من المقارنة بما ينتج الآن من أعمال تبدو المعاصرة فيها مشروعاً بذاته سيستحق علاماته بتنوع القراءات، وتعدد زواياها، فليس النقد هنا نافلاً، بل أصبح في مهب الضرورة الجمالية والرؤيوية التي تمتع المتلقي وتأخذه إلى أفق معرفي بوساطة خطاب درامي متماسك ومتعدد، ومن شأنه أن يخلق ثراء يضيف للذاكرة وللتلقي، ولعل مسؤولية الخطاب النقدي سوف تتضاعف بكفاءة القراءة العارفة، وغير المختزلة بما يذهب بنا إلى التنميط، واستدعاء ما أصبح عند المتلقي نافلاً.. ما نقصده هنا بالضبط هو فقه الاختلاف الجميل الذي يلتقط المعنى ليشارك به المتلقي، إضافة لا تعني الاستئثار بالسلبيات، أو التحيز لإيجابيات بعينها، إنما هي الموازنة فيما بينها بالانتباه إلى ما تعنيه ثقافة الدراما خارج نسق الاستهلاك، وطغيان الشرط الإنتاجي الذي يتجاوز القيمة الفنية في أعمال بعينها.
إن تماسك الخطاب الدرامي، وهو يقلب أزمنة العروض ولحظاتها بحثاً عن قيمها المضافة ليشكل السؤال الرئيس الذي يساور الكثير من المتلقين، يستدعي بدوره أن يتجاوز الخطاب الدرامي ذاته دائماً ليكون إبداعاً يدرك معنى التميز، والمغايرة أبعد من حفاوة عابرة.

أحمد علي هلال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تعليقات