بلدة حران تبحث عن الاهتمام السياحي والأثري بئر “النبي أيوب” قبلة للزائرين والباحثين عن المغامرة..

هذا المقال رقم : 25 من 52 من العدد 2018-6-12-16124

الزائر للقرية للمرة الأولى تراوده العديد من التساؤلات حول تلك البلدة التي اختار سكانها قساوة اللجاة، ووعورة الصخور البازلتية فيها مسكناً لهم، وكيف تحولت تلك القرية كسراج في الليل يتوهج وسط اللجاة، وتحكي قصة إنسان استطاع بإرادته أن يطوّع وعورة تلك الصخور ليحولها إلى واحة تفوح منها رائحة الأريج، وتزينها أشجار الزيتون، واللوز، والتين، والفستق الحلبي، والكرمة.. إنها حران.

طبيعة المنطقة

بعد القرية عن مدينة السويداء بنحو /26/ كم يجعل الزائر إليها يأخذ متنفساً من التفكير حول طبيعة المنطقة التي عانت ما عانته من قساوة الحياة والعيش بداية، ونهاية قساوة الإرهاب، أما الفضول الأكبر الذي يدفع الزائر للوصول إلى هناك فهو البئر الأثري الموجود في منطقة تتميز بغناها الشديد بالمواقع الأثرية القديمة، والتنوع البيولوجي الكبير فيها.. غفوة التفكير تلك تقطعها رحلة المرور في عدد من القرى كولغا، والمزرعة، وتعارة، والدويرة، أو بعض الحواجز الموجودة في المنطقة التي تحذرك من سلوك بعض الطرق الخاطئة التي قد تقودك إلى تجمعات الإرهابيين في الريف الشرقي لدرعا، والتي لا تبعد أكثر من عدة مئات من الأمتار.

رحلة التأمل تلك تنتهي عند مدخل القرية، حيث تستقبلك صور الشهداء مزينة أضرحتهم، لتكمل صور المشهد الذي بدأ الزائر يرسمه في ذاكرته، أو الملاحظات التي يدوّنها في مفكرته، إذ لا يمكن الهروب من تدوين كلمات مفتاحية لهذا النمط من العيش، وهي: الصلابة، والقساوة، والصمود، كلمات تختصر المشهد كاملاً.

جغرافيا وديمغرافيا

المساحات الخضراء المنتشرة كواحات متفرقة في القرية تدل على أن القرية اتجهت لزراعة أشجار الزيتون، ومعرّشات العنب، فسكانها الذين لا يزيد عددهم عن ألفي نسمة اتجهوا منذ عقدين من الزمن نحو تلك الزراعات التي بدأ بها صابر مرشد، ويوسف النصار، وتبعهما الكثير، كما يقول الأهالي هناك، حتى غدت مساحات الشجر رائعة المنظر، وساهمت بانتشار العمران إليها، رغم قلة المياه، حيث تروى القرية من بئرين ارتوازيين، لتبقى مزروعاتها بعلية تنتظر فرج السماء.

أمين الفرقة الحزبية في البلدة حسين مرشد أراد بداية التعريف بالقرية بالدخول إليها جغرافياً، فجغرافيا المنطقة المعقدة، وإن كانت تجمعها تلك “الصبة” البازلتية في اللجاة، إلا أن حران التي تقع إلى الشمال الغربي من مدينة السويداء تمتاز بغناها بالمواقع الأثرية القديمة التي مازال معظمها غير مكتشف بسبب وعورة المنطقة، إضافة إلى التنوع البيولوجي الكبير فيها، وتنتشر منازلها القديمة والحديثة فوق أرض اللجاة، وسط غابة من الصخور الوعرة، كما يقول مرشد.

عينا مرشد كانتا حريصتين على تبادل أدوار النظر بين فنجان القهوة في يده، وخارطة المنطقة، فالقهوة المرة مازالت أولى علامات الترحيب بالضيوف، إلا أن “مرشد” حاول استثمار وقت “إكمال دور القهوة” بالحديث عن جغرافيا القرية المتاخمة لحدود محافظة درعا، يحدها من الغرب بصر الحرير، والدلافة من قرى درعا، ومن الشمال قرية لبّين، ومن الشرق ناحية عريقة التي تتبع لها حران، ومن الجنوب قرية الدويرة، ويربطها بمدينة السويداء طريق رئيسي عبر الدويرة- تعارة- الدور- المزرعة، كما يربطها طريق آخر مع دمشق عبر لبّين- جرين- داما- جدل- خبب- اوتستراد درعا، وطريق آخر مباشر مع ناحية عريقة.

ويتابع مرشد حديثه بعد الجغرافيا عن الواقع الديمغرافي ليقول: إن السكان اعتمدوا على الاغتراب في عدة بلدان، أما الوجود في القرية فانقسم بين العمل في زراعة المساحات الترابية القليلة المتفرقة الصالحة للزراعة، من زراعة الأشجار، إلى زراعة الحقول الموسمية من القمح، والشعير، والعدس، والجلبان، والبيقياء، والفول، وغيرها، أو اختار الوظائف الحكومية، أو العمل المهني الحر، حتى إنك لا تكاد ترى مهنة ليس فيها متخصص، وفي القرية مدرستان لمرحلتي التعليم الأساسي، ونسبة الأمية قليلة جداً لا تكاد تذكر، من أشهر شخصياتها التي شاركت بالثورة السورية الكبرى: جديع مرشد، الحكيم فارس، مسعود مرشد، عباس مرشد، صالح مرشد، نجم مرشد، وغيرهم كثير، وفيها من الوجوه المميزة على صعيد المحافظة.

 

بئر أثري

في حران بئر أثري، كما يعرف باسم (بئر النبي أيوب)، البئر معروف كاسم بالنسبة لمعظم أبناء المحافظة، وله مكانة خاصة لدى أبناء القرية لما يتمتع به من شهرة اكتسبها من طريقة بنائه المميزة، ودرجه الكبير الذي يوصل للماء، ولكن لا شك في أن قلة هم من زاروا البئر الذي يعلوه المشرف، وهو بقايا قصر متهدم لا يظهر منه إلا السور الشمالي فوق فتحة البئر، فكان لابد من زيارته برفقة عدد من أبناء القرية المتحمسين لإيلاء هذا البئر الاهتمام أكثر، سواء أثرياً، أو سياحياً، فمحيطه غني بالبقايا الأثرية المهملة التي تنتظر الكشف عنها، وقد تعرّضت للاعتداء عليها منذ القديم، إلى أن وعي أهل القرية لأهميتها، ما دفعهم لحمايتها من لصوص الآثار على أمل الكشف عنها يوماً، كما يقول بسام مرشد، وهو قائد فصيل كتائب البعث في البلدة، أما البئر فلا يعرف إلى الآن تاريخ بنائه بالنسبة لأبناء القرية، توصلك إليه مئة وثمانون درجة، رممت البلدية درجاته العلوية المتهالكة، ووضعت له حماية بسيطة، وماؤه البارد ملحي المذاق لا يصلح للشرب، وكان يستخدم لسقاية المواشي والنبات، ولبعض الحاجات المنزلية، وبناؤه أثري بديع يدعو إلى الدهشة، حيث درجه الملتف المنار من فتحة في أعلى المغارة المجاورة له، وهناك فتحات صغيرة يتسرب الماء الزائد منها عبر المغارة.

 

دقة في التصميم

الوصف العام للبئر الذي قدمه أبناء البلدة شكّل حافزاً لنا لمعرفة المزيد عنه، فكان لابد من التواصل مع أهل الاختصاص لمعرفة المزيد عنه.

يقول الباحث في آثار المنطقة وليد أبو رايد بأن قرية /حران/ الواقعة على أطراف اللجاة كانت من بين عدة مدن قديمة تابعة لأبرشيات في اللجاة، ذكر بعضاً منها الأب متري هاجي أثناسيوس في كتابه /سورية المسيحية في الألف الأول الميلادي/، وهي: بصر الحرير، وحران، وجمرين، وعاسم، وشعارة، والخرسا، ولبّين، والطف، ووقم، ونجران، وداما العليا، وريمة اللحف، والصورة الكبرى، ودير الجواني، لافتاً إلى أن تسمية حران مشتقة من كلمة حرن بالمكان، أي لزمه ولم يفارقه، وحرن العسل في الخلية لزق فعسر نزعه منها.

ويوضح أبو رايد بأن الآثار الباقية حتى يومنا هذا في القرية تبيّن أنها قرية مهمة، على الرغم من أن معظم أوابدها التاريخية تهدمت، وتغيرت معالمها بشكل كبير، مبيّناً بأن أهم الآثار التي عثر عليها في القرية عبارة عن نقش عربي يوناني يشير إلى بناء كنيسة باسم القديس /يوحنا/ يعود للعصر الغساني ما بين عامي /567/578/ ميلادية، وأطلال معبد نبطي، وآثار لقصر متهدم لا يظهر منه إلا السور الشمالي، يطلق عليه قصر المشرف، ويقبع بجانبه بئر عميق يبدو أنه كان مصدراً رئيسياً للعيش والسكن في هذه القرية، ويبيّن الباحث في آثار المنطقة بأن تاريخ بناء هذا البئر الأثري غير معروف حتى الآن، ولكنه يعود على الأرجح إلى العصر النبطي، وقد رممت بلدية القرية درجاته العلوية المتهالكة، ووضعت له حماية بسيطة، إلا أن محيطه الغني بالكثير من الآثار المهملة مازال ينتظر الكشف عنها، والمزيد من تسليط الأضواء على هذه المنطقة البكر التي لم تستثمر بعد سياحياً واقتصادياً.

ويتابع: “دقة التصميم في بناء البئر تتجلى في وجود فتحة بشكل مائل، تبدأ من باب المغارة العلوي، أي من بداية درج العتمة، لتنير /المطبة/ الموجودة في وسطه، كأنها عمود نازل من السماء، فيراها النازل إلى البئر في درجاته الثلاثين الأولى، ومن ينظر من الماء إلى الأعلى يجد أن الماء يقع داخل السور الأثري الموجود فوق فم البئر، والذي يعتقد أنه السور الشمالي للقصر المتهدم فوقه، وهو ما يوحي بأن سكان القصر كانوا يحصلون على الماء بطريقة النضح من البئر لوجود فتحة شاقولية من القصر إلى الماء”.

وبيّن أبو رايد بأن دائرة آثار السويداء قامت في عام 2003 بترميم مدخل البئر، وتنظيفه، وتأهيله بدرج وجدران استنادية ليصبح معلماً أثرياً يقصده الزوار والسياح.

مقصد سياحي

قد يكون يوم واحد لا يكفي الباحث عن سحر الطبيعة والجمال، والساعي لاكتشاف معاني الصلابة والصمود، فكل قطعة من ذلك المكان تروي عشرات القصص التي تحتاج إلى وقفة تأمل وإدراك حقيقية، وأكثر ما يلفت الانتباه أنه رغم بساطة العيش، والافتقار للعديد من مقومات الحياة، إلا أن مطالب الأهالي انحسرت في مطلب واحد، وهو زيادة الاهتمام بقريتهم كمنطقة سياحية تملك من الأوابد الأثرية ما يؤهلها كي تكون مقصداً سياحياً، وقبلة لكل الباحثين عن جمال الطبيعة والمغامرة، فهل تقول السياحة والآثار كلمتهما، أم أن هناك خوفاً من أن تضل تلك الجهات طريقها فتذهب باتجاه آخر؟!.

رفعت الديك

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تعليقات