تأثير سياسات الدول الصناعية على العالم النامي في المستقبل

هذا المقال رقم : 42 من 70 من العدد 2018-10-12-16208

باسل الشيخ محمد

كم مرة سمعنا عبارة “انهيار العملة” في بلد ما خلال الفترة الأخيرة؟ وكم مرة سمعنا عن عقوبات اقتصادية فرضتها الولايات المتحدة، أو ترددت عبارة “الحرب التجارية” في وسائل الإعلام؟.. هل لهذا المناخ الاقتصادي السلبي أثر على الدول النامية التي ليست طرفاً في أي نوع من الصراع الاقتصادي لا من قريب ولا من بعيد؟.
في كتابه “عالم تكتنفه الفوضى: السياسة الخارجية الأمريكية وأزمة النظام القديم”، دعا رئيس مجلس العلاقات الأمريكية والدبلوماسي السابق ريتشارد هاس إلى إقامة نسخة جديدة من النظام العالمي أسماها (World Order 2.0)، وذلك لأنه ليس من الممكن أن يستمر النظام العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة بعد أن انهارت دعائمه الرئيسية، وحجته في ذلك أن عدداً من الدول قد أصبحت أكثر قوة في مواجهة ضعف الثقة بين الحلفاء، فضلاً عن تزايد النزاعات المسلحة، وعدم استقرار الولايات المتحدة نفسها على الصعيد الداخلي، أما النسخة الثانية من النظام العالمي فلعل القارئ يعرفها، إنها إعادة إنتاج المبادئ التقليدية للنظام الدولي مثل السيادة والشرعية وتوازن القوى، وذلك بشكل تؤدي فيه الدول واجباتها تجاه النظام الدولي بالتوازي مع رعاية مصالحها.
لكن أحد الأسباب الأساسية للفوضى التي تكتنف العالم هو النظام العالمي نفسه بنسخته الأولى، إن صح التعبير، فبدلاً من دعم النظام التجاري متعدد الأطراف الذي يستند إلى قواعد مستقرة، بات النظام العالمي السائد منذ نهاية الحرب العالمية الثانية عرضة للتشظي، مثلاً، بعد انطلاق الحرب التجارية التي من شأنها رفع العجز التجاري للولايات المتحدة دون تخفيض الفوائد في أوروبا وآسيا، ليس همنا مستوى الأمريكي، بل ما قد تتخذه من إجراءات تثير مزيداً من الفوضى، وضعف الثقة بين الحلفاء، والذي، بحسب التاريخ، يؤدي إلى الضغط على الدول النامية.

ما علاقة الدول النامية بهذا الصراع؟.
لنلق أولاً نظرة سريعة على سياسات الدول الصناعية تجاه الدول النامية، من أبرز هذه السياسات ما كان الاقتصادي الانكليزي “جون ويليامسون” قد طرحه عام 1989، وهي عبارة عن عشر توصيات تشكّل محور خطة لخروج الدول النامية من أزماتها الاقتصادية، راجت هذه التوصيات وأصبحت أسساً في الاقتصاد العالمي، وعرفت باسم “توافق واشنطن”، توافق واشنطن هذا هو اتفاق في وجهات النظر بين الدول الصناعية الكبرى، وقد طبقته المؤسسات الاقتصادية الدولية مثل صندوق النقد والبنك الدوليين، نص الاتفاق على ضرورة قيام الدول النامية بفتح أسواقها على مصراعيها أمام التجارة العالمية، وإلغاء الرقابة على تدفق السلع ورؤوس الأموال، بالإضافة إلى خصخصة القطاع العام.
أبرز منتقدي اتفاق واشنطن هو ويليامسون نفسه، حيث انتقد بعد فترة قصيرة قيام حكومات الدول الكبرى وصندوق النقد والبنك الدوليين التي أصدرت توصيات “نيوليبرالية” سعت إلى ابتلاع الاقتصادات الناشئة بسرعة، نوّه ويليامسون إلى تجاهل بعض أهم ملاحظاته كضرورة توجيه التنمية نحو الصحة والتعليم، في حين لم يطبق من أفكاره سوى الضغط على الدول النامية لفتح أسواقها، وعليه، لن تكون الدول النامية عاجزة عن منافسة الدول الكبرى فحسب، بل ستتباطأ التنمية فيها نظراً لامتلاء أسواقها بالبضائع الأجنبية، ناهيك عن افتقارها إلى السيولة المالية والتقنية الحديثة، بعبارة أخرى، بات العالم تحت امرة رجال الاقتصاد إلى حد بعيد أكثر مما هو تحت امرة رجال السياسة، بما يحمله رجال الاقتصاد من ثقافات براغماتية بعيدة عن الأخلاقيات إلا كنوع من الدعاية والترويج.
من جهة أخرى لم يتوقع أن تفرض أمريكا عقوبات على حليفاتها من الدول الأوروبية، سبق لبطرس غالي الأمين العام السابق للأمم المتحدة أن وصف العقوبات بأنها أداة فظة، كيف استخدمت الفظاظة ضد الحلفاء إذاً؟ والسؤال الأهم هو: إلى أين سيؤدي التلويح بالعقوبات الاقتصادية بين الحلفاء أنفسهم؟ وإلى أي حد سيكون لذلك تأثير على الدول النامية؟.
يقودنا التدقيق في هذه النقطة للالتفات إلى ما كتبه ميلتون فريدمان وفون حايك، حيث قدما في أربعينيات القرن الماضي قراءة تهدف إلى أن تتولى الدولة زمام النشاط الاقتصادي في مقاربة نفعية لدور الدولة، يرتبط خلال هذا بيروقراطيون كبار بمجموعات ضغط وفق علاقة منفعة متبادلة، لم تحدد هذه النظرية الليبرالية الجديدة شكل الدولة، وعليه فليس من المستغرب أن تكون الشركات متعددة الجنسيات أحد الفاعلين الدوليين إلى حد ما، لكن المنفعة المتبادلة الآن عرضة لثقافة صدامية جديدة بطلها الحالي أحد أصحاب المصالح، وقد تحول إلى موظف كبير في الدولة، إنه دونالد ترامب.
إذاً، ما الذي ينتظر الدول النامية؟ هذا إن كان السؤال عن تعويض الدول الصناعية لخسائرها، أو لمحاولة دفع اقتصاداتها إلى الأمام؟.
الخوف الأكبر يأتي من “التقسيم الدولي للعمل”، حيث تتخصص الدول الصناعية في إنتاج السلع، بينما تتخصص الدول النامية في إنتاج المواد الخام، فإن تذكرنا أن اقتصاد الدول الصناعية قد ارتفع عام 1969 بمقدار ست وعشرين مرة، ليقفز من 114 مليار دولار إلى 2975 ملياراً، في الوقت الذي نزل فيه نصيب البلدان النامية من التجارة الخارجية إلى الخمس بعد أن كان ثلث نصيبها في التجارة، ما يعني أن تقدم الدول الصناعية يأتي بالضرورة على حساب الدول النامية.
لا يتوقع، بحسب التاريخ، أن ينتظر الدول النامية أي تقدم في مجال التنمية، لكن الخوف الأساسي هو أن تعويض الدول الصناعية لخسائرها في الحرب التجارية سيجعل الدول النامية تدفع فواتير ليست هي مسؤولة عنها، وعليه فإن إعادة إنتاج النظام العالمي ليس سوى إعادة إنتاج لفقر الدول النامية، فكيف وقد أصبح لأصحاب المصالح ممثّل أرعن في البيت الأبيض؟!.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تعليقات