تحولات وأمل

هذا المقال رقم : 27 من 68 من العدد 2018-9-12-16186

 

أثناء جولة ترفيهية لبعض سكان المنطقة في برلين لوحظت بقايا لجدارٍ أثارت الشك في أن تكون تابعة لنظام أمن الحدود في المدينة، ليحيله العارفون إلى الجدار الشهير “جدار برلين” الذي فصل طويلاً بين الألمانيتين ولمدة قاربت ثلاثة عقود من الزمن، هكذا بات الجزء المكتشف حديثاً؛ محجاً ومزاراً لأبناء المنطقة والكثير من السياح يقفون أمام أطلاله بعد أن هدم بطريقة دراماتيكية في العام 1990، كما بات العديد من متاحف العالم يحرص على اقتناء ولو جزء يسير من الجدار بعد مرور ما يقارب ربع قرن على هدمه..

صحيح أن أجزاء كثيرة لا تزال في المدينة إلا أن العديد منها انتشرت في متاحف العالم، بعضها في متحف التاريخ في مدينة “بون” بينما يحظى متحف الحروب في لندن العاصمة البريطانية ببعض آخر منها، وتتواجد أجزاء أخرى في مقر الأمم المتحدة في مدينة نيويورك، حتى أن أكبر الأجزاء المتبقية في برلين تحولت سابقاً إلى ما يشبه المعرض الدائم، بعد أن تم توجيه  الدعوة إلى عدد كبير من الفنانين لإطلاق العنان لخيالاتهم وتجسيدها أعمالاً فنية رائعة بِيعَ بعضها في مزادات علنية كبرى، وبقيت الأعمال الأخرى معروضة أمام الزائرين حتى اليوم.

في بولندا ما زالت الصهيونية العالمية تصر على التذكير بالهولوكوست عبر معتقل يسمى بمعتقل “اوشفيتز” وهو اسم المدينة المتواجد فيها، يؤرخ لجرائم النازية، ويشكل وجهةً ورمزاً للكثير من القائمين على صناعة السينما العالمية، للإشارة إلى المحرقة التي يشك بأمرها، لكنها لا تزال والمعتقل المذكور محجة يهود العالم كلما سنحت لهم الفرصة للتعمية على جرائمهم المستمرة وسلاحاً يشهرونه في المعارك الإعلامية والسياسية التي يتعرضون لها، يقنعون العالم عبرها بالاضطهاد والظلم الذي تعرض له جزء من أجدادهم، بل لعلها الحجة الأهم التي استخدمت لتمرير اغتصاب أرض ليست أرضهم، والحلول مكان شعب طرد منها وبات شتاتاً موزعاً في بقاع الأرض كافة.

أما في الجنوب اللبناني فليس أهم وأقرب إلينا من معتقل الخيام الذي بات حاملاً لاسم معتقل العار وهي الصفة التي أطلقت عليه من قبل منظمة العفو الدولية.  المعتقل الذي كان بالأساس حصناً تمترست فيه قوات الجيش الفرنسي في عهد الاحتلال في القرن الماضي، وانتقل بعد الاستقلال ليصبح ثكنة من ثكنات الجيش اللبناني، وسلمته فيما بعد قوات الجيش الإسرائيلي بعد انسحابها إلى “جيش لبنان الجنوبي” تلك التي اتخذت منه مقراً للاستجواب والاعتقال بحق المقاومين أبناء الجنوب على اختلاف انتماءاتهم وأهوائهم، مارست فيه أبشع صنوف الإجرام والتنكيل بالجنوبيين فقضى الكثير منهم تحت التعذيب، ليأتي تحرير الجنوب اللبناني في العام 2000 وينتقل المعتقل المذكور إلى ما يشبه المتحف يؤمه الزوار من أبناء المنطقة والسياح الغرباء على السواء للاطلاع على تاريخ ما يزيد على خمسة عشر عاماً من الوحشية والممارسات اللاإنسانية والشاهد على الدرك الذي يمكن للإنسان الوصول إليه، آثارها ما تزال ماثلة على الجدران وفي الزوايا المظلمة.

أن يقوم الإنسان على تحويل أدوات الشر والتعذيب إلى قطع فنية فعل إنساني رهيف ومؤثر، فكيف إن كان يصنع من منصات أعدت للقتل والتدمير وهلاك الإنسان منابر تسمو وتعلو بالنفس البشرية، وترتقي بأسباب الحياة وبأيدي أبنائنا الذين أثبتوا دائماً أنهم أبناء الحياة، وهو الأمر الذي قام به عدد من الفنانين السوريين في جزء من الأنفاق التي أعدها القتلة لتصدير الموت باتجاه أبناء دمشق والشام بالعموم، على أمل أن تصبح متاحة للزيارة والوقوف على أطلال أهم الشواهد على ما كان يعد للسوريين، وأمل آخر بألا يكون الردم مصيرها وهو الحديث الذي يتم تداوله من قبل الكثيرين مؤخراً.

بشرى الحكيم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تعليقات