تخوم السويداء.. والسقوط الأخير

 

بتفجيراتها الانتحارية الجبانة وسط المدنيين والأبرياء في السويداء، وهجومها الغادر على الأهالي العزّل في الريف الشمالي الشرقي للمحافظة، لا تبرهن بقايا وحثالات “داعش” إلا عن سعيها لتسجيل “انتصار” سهل وسريع ورخيص، الأولى به أن يصنّف في عداد الاستعراضات الإعلامية الموجّهة والمدروسة، رغم أن الأحداث والوقائع الميدانية تجاوزت مثل هذه الأهداف منذ فترة ليست بالقصيرة، فالتنظيم عملياً في حالة موت سريري، وهو بحكم اللاموجود عملياتياً، إذا أخذنا بعين الاعتبار أنه فقد قاعدته التنظيمية، وأنه خسر موارده ومقراته وقدراته الاتصالاتية واللوجستية، وأن هرميته القيادية قد تفكّكت أو تلاشت إثر الضربات المتلاحقة التي سددت له خلال الشهور الماضية، وأن ما تبقى من مجموعات تعمل تحت رايته، وباسمه، إنما تعمل تحت تأثير انقطاعها عن أية علاقة محيطية بشرية أو معلوماتية.

وإذا كان من شأن ذلك أن يفسّر – إلى حد ما – طابع المغامرة والتهوّر الذي يسم التحركات المتقطعة – والمتفرقة – بين فترة وأخرى، وبين موقع وآخر، لفلول التنظيم في بعض البلدات العراقية، واقتحام اثنين أو ثلاثة من عناصره لمبنى محافظة إربيل في الشمال العراقي، وقد يفسّر أيضاً حرصه على توزيع عملياته الإرهابية بين ريف السويداء ومركزها المديني صباح أمس، إلا إنه لا يفسّر مطلقاً تلك “القابلية للبقاء” التي يجهد التنظيم لإثباتها حتى الآن، رغم كل ما لحق به من هزائم. والواقع فإن على “بقايا” و”فلول” داعش أن تواصل لعب الدور الذي كان لعبه التنظيم في معمعان صعوده وقوته، ولكن بإيقاع ودرجة أقلين، وبما يتناسب مع الاحتياجات والمتطلبات الأمنية والسياسية والتخطيطية المتحوّلة – والآخذة أحياناً صفة الاستعجال والظرفية – لأكثر من طرف في وقت واحد، أو بالتناوب. والحال فالتنظيم تنازل عن “الدولة” و”الخلافة” للعودة إلى النشأة والبداية كمجموعات مرتزقة تعتاش على خدمة الاستراتيجية الأمريكية بالولادة، والإسرائيلية بالإضافة، والسعودية بالمرجعية الإيديولوجية، والتركية عند الطلب وتوافق المصالح – وهي كثيرة.

استهداف السويداء البطلة يحقق جملة هذه الاشتراطات في وقت واحد، فهو يوفر جرعة أوكسجين غير منتظرة لكل الأطراف المتضررة من اندحار الإرهاب في درعا والقنيطرة، وعودة الأمن والاستقرار – والأهالي بالتالي – إلى مدن وقرى الجنوب السوري، ولعلها جرعة يمكن أن تخلق – على الأقل – فرصة لشراء المزيد من الوقت وإعادة خلط الأوراق بحيث تعيد كل من واشنطن و”تل أبيب” وأنقرة – على الأخص – ترتيب ما يتهيأ لها أنها عناصر ضغط احتياطية – وأخيرة – في أفق القبول المرغم بواقع القضاء النهائي على البؤر والتوضعات الإرهابية فوق كامل التراب الوطني وعودة الدولة لبسط سلطتها كاملة فوق الأراضي السورية؛ فالواضح أن الضربات القاصمة التي تلقتها الفصائل والمجموعات الإرهابية في سورية، على اختلاف المشغلين والداعمين والمرجعيات المعتمدة، وضعت هؤلاء جميعاً أمام مفترقات صعبة، وأن الإقرار بالهزيمة لن يكون سهلاً، وأن جولة أخيرة وختامية يجري الإعداد لها – حتماً – قبل الدخول في التسويات النهائية.

ولكنه الاستعراض الإرهابي الداعشي بكل تفاصيله وحيثياته، وفشل.. الاستعراض المجاني المرتكز على إحداث صدمةٍ، أبناء الجبل الأشم هم آخر من يأبهون لها، وبث رعبٍ لم يعرفه بني معروف في تاريخهم. أما من يأمل بإشغال الجيش العربي السوري أو إلهائه عن معركته، فقد انتهت المعركة في اللحظة التي استوعب فيها المدنيون العزّل الهجوم الأولي بصمودهم وبطولاتهم الفردية وغيرتهم على أرضهم ووطنهم السوري، ليستكمل الجيش ما بدأه الأهالي من خلال سرعة تدخله وتحشّده وقوته الضاربة التي لاحدود لجبروتها. لقد حاول “داعش” العودة من عدمية التنظيمات الإرهابية، والارتزاق للأجانب، والبروباغاندا الدموية المهترئة والبائسة، لكي يكشف في النهاية حقيقته الراهنة: عصابات تتخبّط في خدمة أجندات من خارج الحدود، وحثالات قطاع طرق تعتاش على ممارسة القتل بطريقة بدائية وتلقى مصرعها في موقع الجريمة.. إنه السقوط الأخير على تخوم السويداء البطلة.

بسام هاشم

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تعليقات