ترامب والصراع العربي الصهيوني

هذا المقال رقم : 35 من 59 من العدد 2018-12-7-16247

د. سليم بركات
كاتب وباحث من سورية

لا يستقيم الحديث عن مستقبل الصراع العربي الصهيوني، دون النظر إلى راهنه إن لم نقل إلى ماضيه، وهذا يعني أنه لابد من إزالة التناقضات الجذرية المتداخلة في هذا الصراع، والتي تخفيها الأطراف المنخرطة فيه للتعامل معها ووضع الحلول لها. ولما كان المشروع الصهيوني لم يستكمل بناؤه الذاتي بعد، أو يأخذ شكله النهائي على الصعيد الجغرافي أو الديمغرافي ولا حتى على الصعيد السياسي، فلابد من أن يبقى متجهاً نحو التصعيد، غير مقتنع بأية تسوية لهذا الصراع، ولما كان الأمر كذلك، فإن الدخول معه في أية مسارات للتسوية ليست أكثر من مضيعة للوقت، وهدر للطاقة، وهي كلما طال أمدها عظمت مخاطرها وازدادت المواقف صعوبة في مواجهتها.
لم تنجح الصهيونية منذ تأسيس كيانها الاستعماري الاستيطاني في تجميع غالبية يهود العالم في فلسطين، كما لم تنجح “إسرائيل” بصهر الجماعات اليهودية التي هاجرت إلى فلسطين في أمة واحدة رغم الجهد الكبير الذي بذلته لتسويق نفسها مركزاً ليهود العالم، ورغم إصرارها على خلق اليهودي الجديد الذي بشرت فيه أبواقها الإعلامية على مستوى العالم، والسبب هو فشلها في تغييب الشعب العربي الفلسطيني مادياً ومعنوياً عن وطنه، بعد أن أثبت وجوده من خلال نضاله وصموده في مواجهتها، وهذه حقيقة يعترف فيها العالم، وتعترف فيها “إسرائيل” مكرهة.
إن الراصد الحقيقي لقوة الكيان الصهيوني منذ وجوده حتى يومنا هذا يجد أن قوة هذا الكيان ليست بذاته، وإنما بغيره، والدليل ما يشير إليه تاريخ الصراع العربي الصهيوني من إخفاقات إسرائيلية متعددة، منها إخفاق “إسرائيل” في حرب السويس عام 1956، أثناء العدوان الثلاثي على مصر، ومنها إلغاء حرب تشرين التحريرية للجزء الأكبر من نتائج حرب حزيران الكارثية على الوطن العربي عام 1967، ومنها فشل “إسرائيل” في غزوها للبنان في عام 1982 رغم أن هذا الغزو كان باتفاق أمريكي إسرائيلي لسحب اتفاق “كامب ديفيد” على المشرق العربي برمته. ومنها الحضور الفلسطيني المستمر على الأرض الفلسطينية من خلال الانتفاضات المتواصلة، بعد أن اعتقدت القيادة الإسرائيلية أنها قد غيبته منذ إخراج المقاومة الفلسطينية من لبنان عام 1982، ومنها إلغاء المقاومة الوطنية اللبنانية لنتائج الغزو الإسرائيلي على لبنان، وصولاً إلى هزيمة إسرائيل ودحر احتلاها للأراضي اللبنانية من خلال حرب تموز عام 2006.
في حرب الخليج الثانية، وبعد انهيار الاتحاد السوفياتي، وفي سياق المبادرة الأمريكية للتسوية (مؤتمر مدريد عام 1991) ساد اعتقاد وراجت تكهنات بأن التعاون الاستراتيجي بين إسرائيل وأمريكا سيتراجع نتيجة عدم حاجة أمريكا للدور الوظيفي الإسرائيلي، ولقد ثبت مع الوقت وبالملموس أن هذا الاعتقاد وهذه التكهنات كانت عارية عن الصحة، ولاسيما بعد التعاون الاستراتيجي الأمريكي الإسرائيلي لتسوية الصراع العربي الصهيوني على أرضية المبادرات الأمريكية المتتالية، وبعد أن ثبت أن الخلافات التكتيكية الأمريكية الإسرائيلية حول شروط التسوية تنبع من التوافق في تقويمهما للوضع العربي، من حيث خدمته للمصالح الأمريكية، وتعزيز الدور الوظيفي لإسرائيل.
في واقع الحال لا يمكن النظر إلى إسرائيل على أنها تمتلك مقومات دولة، وإنما يمكن النظر إليها على أنها ليست أكثر من ثكنة عسكرية طابعها الانقسام، وهي ببنيتها الذاتية غير طبيعية لأن في تطبيعها الخارجي يكون تفاقم وضعها الداخلي، وفي تطبيعها الداخلي يكون تفاقم وضعها الخارجي، وهذا ما هو واضح من خلال احتدام الخلافات الداخلية بين قادتها حول قضايا التسويات المطروحة، إن لم تكن متوافقة مع الاستراتيجية الأمريكية. الأمر الذي يحفر عمقاً في هوية الدولة الإسرائيلية المدعية لليهودية والقومية والديمقراطية، بينما هي في حقيقتها هوية وظيفية صهيونية مرتبطة بالغرب الإمبريالي، وبالعولمة الأمريكية، ولا دور لها سوى ممارسة سياسة التخريب، وإذا ما فشلت في هذه السياسة لا يبقى أمامها سوى اللجوء إلى السحق العسكري الإرهابي تمهيداً للتحكم بمقدرات المنطقة المادية والمعنوية.
من هذا المنطلق يكون المشروع الإسرائيلي متميزاً بالتبعية للولايات المتحدة الأمريكية بكل ما تحمل الكلمة من معنى، ولاسيما في هذه المرحلة بعد وصول الرئيس ترامب إلى البيت الأبيض، وهذا واضح من مبادرات التسوية المطروحة أمريكياً لحل مشاكل الصراع العربي الصهيوني، والتي بلغت ذروتها بصفقة القرن الممهد لها بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس بقرار من الرئيس ترامب، مبادرات تساعد إسرائيل على الخروج من أزماتها الحالية، لكن الجديد هو إشراك بعد الأنظمة العربية الرسمية فيها، وإلى درجة أصبحت جزءاً لا يتجزأ من المشروع الإسرائيلي، في الوقت الذي لا تستطيع فيه إسرائيل بسبب أوضاعها الداخلية والخارجية تلبية الحد الأدنى لأي مسار أو لأية تسوية، وبصرف النظر عن اللغو الدائر حول مثل هذه المبادرات، فمن الواضح أن إسرائيل غير مهيئة لأي تسوية سياسية بالصيغة التي يجري الكلام عنها في المرحلة الحالية على أنها (شاملة ونهائية)، لكنها تعتبر ذلك محطة لمرحلة لاحقة كي تؤهل ذاتها للانخراط في الاستراتيجية الكونية الأمريكية لتجسيد النظام العالمي الجديد وتصبح شريكاً لأمريكا في هذا التوجه، الذي يمكنها من تصفية القضية الفلسطينية تمهيداً لقيام الدولة اليهودية. ولا نجانب الحقيقة إذا قلنا إن الغاية الإسرائيلية في ظل الظروف الراهنة هي أن تتمكن إسرائيل من تحقيق طموحها في قيام هذه الدولة من خلال صفقة القرن إذا بقي السلوك العربي على ما هو عليه، وكيف لا يكون ذلك وقد تحولت إسرائيل على صعيد المواجهة مع دول المحيط ومن خلال استغلال ما يسمى بالتسوية السلمية إلى ترسانة أسلحة متطورة بفضل التعاون الاستراتيجي مع الولايات المتحدة الأمريكية ومن لفّ لفّها. من هذا المنطلق وعلى أرضية العلاقة المتميزة بين أمريكا وإسرائيل والرجعية العربية يكون التركيز الأمريكي الإسرائيلي على تفكيك محور المقاومة، والتصعيد في مواجهة إيران، بالاعتماد على الإرهاب الإسلاموي الذي تحتضنه إسرائيل وحلفاؤها بكل ما تحمل الكلمة من معنى.
بنظرة سريعة إلى المبادرات التي أدت إلى عقد مؤتمر مدريد عام 1991 وإلى ما تمخضت عنه المفاوضات اللاحقة لانعقاد هذا المؤتمر، تتضح التناقضات بين الأطراف المشاركة في تسوية الصراع العربي الصهيوني، وتتبين على أنه لا يوجد مشروع للتسوية قابل للتطبيق، حتى لو تمّ الوقوف عند الحدود الدنيا لمتطلبات كلّ طرف. الأمر الذي يؤكد فشل المفاوضات منذ انطلاقتها الأولى وحتى يومنا هذا، أو أنها تراوح في مكانها على الأقل، أكان ذلك من خلال صفقة القرن، أم كان بغيرها من صفقات، وهذا بدوره يؤكد أيضاً أن تطورات الأحداث الجارية في المنطقة قد جعلت من تحقيق أية مبادرة أصعب منالاً وأكثر تعقيداً، بمعنى إذا كان واقع المنطقة السابق قد حال دون التوصيل إلى تسوية، فإن الواقع الراهن قد يشكل استحالة القبول بالمشاريع الوهمية والمخادعة المطروحة منذ أكثر من أربعة عقود على مفاوضات بدأت ولم تنتهِ بعد.
السؤال الذي يطرح نفسه في هذا الخضم وفي هذه المرحلة هو كم من العقود الإضافية تحتاج مفاوضات التسوية للصراع العربي الفلسطيني؟ وكم من السنوات الإضافية التي يحتاج إليها المسار التفاوضي لهذه التسوية تحت شعارات وهمية تتضمن المزيد من الأكاذيب، للمضي في عملية الخداع والتضليل الممارسة من قبل التحالف الإمبريالي الصهيوني ومن لفّ لفّه، وللإجابة عن هذا السؤال وما يتفرع عنه من أسئلة يمكن القول كان على العقل العربي أن يأخذ العبر من اتفاق”كامب ديفيد” ومن تجارب السلام المنفرد التي سار عليها السادات في عام 1978، وتلته منظمة التحرير الفلسطينية في عام 1993، والملك حسين في عام 1994، تجارب كان من نتائجها أن الأرض لم تتحرر وأن الحقوق لم تؤخذ، بل ضاعت، حتى في المناطق التي أقيم المسار المنفرد عليها، زد على ذلك إبقاء المسار التفاوضي بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل مفتوحاً، بل معقداً، لم يؤدِّ إلا إلى المزيد من الاحتلال والقهر الوطني القومي، بسبب الاحتلال المفتوح، والحصار المطبق على الشعب العربي الفلسطيني و الممارس من قبل الإرهاب الإسرائيلي. الأمر الذي يؤكد أن التلاعب بالوعي العربي مازال قائماً ومستمراً.
بقي أن نقول منذ مبادرة الشؤم التي قام بها السادات إلى إسرائيل في عام 1977، وما تلاها من مبادرات وصولاً إلى مبادرة الملك عبد الله ابن عبد العزيز عام 2002، وغيرها من مبادرات، لم يتغير شيء في طبيعة إسرائيل العدوانية، والسبب أن علاقة إسرائيل بالسلام تأتي بقدر ما يقدم لها هذا السلام من استكمال لمشروعها التاريخي في تفتيت وإضعاف العرب، وبقدر ما يتوفر لها من مشاريع استيطانية على حساب الشعب العربي الفلسطيني بعد طرده من وطنه وأرضه، مشاريع لا تهدف إلى قيام الدولة اليهودية وزيادة صعودها على حساب الشعب الفلسطيني فقط، وإنما تهدف إلى الاشتباك مع العمق العربي لإضعاف جميع مكوناته الروحية والوطنية، وهذا ما يجعل لإسرائيل كل المصلحة في استمرار الإرهاب الإسلاموي والتعاون معه، لاستنزاف القدرات العربية العسكرية والاقتصادية ، بعد أن أصبحت السعودية وقطر ومن يغرد في سربهما جزءاً من عملية السلام الإسرائيلية التي عززها ترامب بقوله: “لولا السعودية ستكون إسرائيل في ورطة” إنه قلق على مستقبل إسرائيل، لكن مشكلته أنه يحتاج إلى سادات آخر يتعذر عليه إيجاده في عصر المقاومة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تعليقات