ترامب يقلع شجرة ماكرون

هذا المقال رقم : 4 من 41 من العدد 2018-6-11-16123

 

اقتلع ترامب شجرة ماكرون من حديقة البيت الأبيض، وقد يكون للفعل رسائل لا تقبل التأويل، أبرزها أن سيد البيت الأبيض سيقتلع ماكرون من حساباته المستقبلية، وهو الذي كان يعوّل عليه كثيراً في تأطير الطموحات الأوروبية التي خرجت بملء إرادتها من العباءة الترامبية التي أحرجتهم في كثير من المواقف السياسية، وأحرجتهم أكثر حين فرض ترامب عقوبات اقتصادية  تضررت أوروبا من ورائها بشكل أساسي، وقد يكون ذلك معاقبة لأوروبا بطريقة غير مباشرة لرفضها الانصياع التام لجنون ترامب في كثير من القضايا الاستراتيجية، وهنا قد يفسر الأمر على أنه صحوة أوروبية، أو بمعنى أدق ارتداد أوروبي على سلوك ترامب غير المنطقي تجاه الحلفاء الأقرب إلى أمريكا منذ الحرب العالمية الثانية، وربما  الوحيدين  في هذا العالم.

كان هذا التصرف متوقّعاً من رجل لا يحسب حساب الآخرين، ولا يراعي مصالحهم، بل على العكس كل ما يبحث عنه هو مصالحه الاقتصادية فقط، حتى الرئيس الشاب ماكرون الذي يسعى منذ دخوله الإليزيه لتأسيس تيار جديد يعيد بلاد العطور إلى سابق عهدها كدولة عظمى، نراه اليوم ينقلب على ترامب لشعوره بأنه سيصبح تابعاً، وليس له أي دور سياسي، وربما تكون ميركل المرأة المخضرمة هي التي همست بأذن ماكرون: “إنه من غير المفيد أن تلقي جميع أسلحتك أمام الملياردير المتهور”.

ماكرون يعتقد أن بإمكانه الحديث عن كل شيء يدور بخاطره، معتمداً على العلاقة الطيبة التي تربطه بالرئيس الأمريكي، ولكن ترامب لا يتحمّل عندما ينتقده أحد بهذا الشكل، وخلال الاتصال الأخير مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قبل أيام لم يتمكنا من التوصل إلى لغة مشتركة، عقب القرار الأمريكي وضع حواجز جمركية على استيراد الألمنيوم والصلب من بلدان الاتحاد الأوروبي، حتى إن هناك من قال: إن الاتصال كان سيئاً للغاية.

ارتداد ماكرون له أسباب قانونية بشأن العوائق الجمركية التي فرضتها إدارة ترامب على استيراد الألمنيوم والصلب من الاتحاد الأوروبي، لكن يبدو أن القضية أبعد من ذلك، إذ لها علاقة وثيقة بإلغاء الاتفاق النووي مع إيران، وإمهال دول أوروبا فترة زمنية محددة لتصفية عقودها مع طهران، والدليل أنه بعيد قرار ترامب، ألمح ماكرون إلى استعداده لإجراء محادثات حول اتفاق نووي جديد مع إيران بإشراك قوى سياسية في المنطقة مثل روسيا وتركيا، لأنه من غير المنطقي تمزيق اتفاقية من دون تحديد أي أفق لما بعد ذلك، حسب الرئيس الفرنسي، ويبدو أن هذا التصريح أزعج ترامب، ولم يحسب له حساباً بعد الفترة الذهبية من الملاطفة لجر الرئيس الشاب إلى المجهول.

عندما بدأ ترامب وماكرون صداقتهما غير المتوقّعة في بلجيكا، نأى زعماء أوروبيون آخرون بأنفسهم عن ترامب لعلمهم المسبق أن الرجل لا يؤمن جانبه، لكن ماكرون عمل جاهداً على البقاء قريباً من الرئيس الأمريكي، لكن لم يتوقع الرئيس الفرنسي أن يكون ترامب بهذه العقلية، ويعاقب فرنسا مع باقي الدول الأوروبية.

لقد أخطأ ماكرون منذ البداية، وكان عليه أن يدرك أن الملياردير سيبيعه في أقرب فرصة، وهو لم يستشعر ذلك منذ أن أحرجه ترامب أثناء استقباله في البيت الأبيض في واشنطن أول مرة حين قطع كلمته أمام الصحفيين، والتفت نحوه، مشيراً إلى وجود “قشرة رأس” على كتفه! ولم يكتف ترامب بفضح هذه المعلومة فقط، بل قام أيضاً بإزالتها بيده أمام عدسات المصورين، وسط قهقهات الحضور، وها هو اليوم يزيل شجرته أيضاً من البيت الأبيض، وربما يفعل شيئاً آخر غير متوقع.

علي اليوسف

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تعليقات