تشويهات متعمدة أحياناً للمنظر العام الحدائق والمرافق العامة تحت تهديد أنماط السلوك السلبي.. وتشويه متعمّد للمنظر العام

هذا المقال رقم : 37 من 77 من العدد 2018-4-13-16081

“أنا أحب دمشق”.. تلك العبارة الجميلة التي تحوّلت لمجسم بارز المعالم، أخذ مكانه في أحد أركان ساحة الأمويين بقلب العاصمة دمشق منذ سنتين تقريباً، فاصطفت حروفه المكتوبة باللغة الانكليزية ملونة زاهية، مع قلبٍ أحمر كبير، عبّر عن كلمة الحب، وشكّل لوحة تمثّلُ الفرح برغم كل الأزمات والحروب المحيطة، وإضافة لطيفة، وخفيفة الظل، اختارها السوريون ليدللوا على مخزون المحبة الذي يحتفظون فيه لبلدهم وعاصمتهم، لتصبح تلك الكلمات اليوم محطة متعارفاً عليها لالتقاط الصور، ووضعيات “السيلفي” المختلفة، إضافة للناحية الجمالية التي توصلها للناظر إليها، لكن الملفت أن التعبير عن الحب والفرح لم يكن موحداً عند الجميع، ولم يقتصر على التقاط الصور ووضعيات “السيلفي”، فآثر بعض العابثين ترك بصماتهم الخاصة على تلك العبارة، وخطوا بنزق الأحرف الأولى لأسمائهم، وأسماء من يحبون عليها، دون أن ينسوا طبع قلوبهم وحبهم الأبدي أيضاً، “A+R+S= حب للأبد”.. مثال عن خربشات ورموز كثيرة كتبت بلغة ركيكة، وتوزعت بعشوائية شوهت منظر المجسم، وجمالية تلك الأحرف، فهل بمثل تلك العبارات يكون الحب، أو يتجسد التعبير عنه؟!.

ليس حباً

ورغم أن الذكرى التي كان مخططاً لها أن تكون للأبد، تمت إزالتها في مرة سابقة من قبل محافظة دمشق حين قامت بإعادة طلاء المجسم منذ أشهر تقريباً، بالتعاون مع مجموعات شبابية، وأعادت إليه ألوانه الزاهية مجدداً، إلا أن أصحاب الحب الأبدي، بدا أنهم أكثر إصراراً على إعادة تشويه أحرف المجسم، والعبث بجماليتها، فأعادوا الكرة مرة أخرى، وكتبوا حروفهم الخاصة عليه، وهو ما أثار استياء الكثير من رواده، بحسب ما رصدناه، حيث استهجن من سألناهم في المنطقة تلك التصرفات، وقال عبد الرحمن، وهو أحد الأشخاص الذين صدف تواجدهم في الساحة: ما هذا الحب الذي يشوّه الجمال، ولا يعنيه إلا شأنه الفردي، وذكرياته الخاصة التي لا شأن للعامة بها، فهذا المجسم مثل كل الممتلكات العامة للجميع، ويجب علينا المحافظة عليه دون أن نشوّه منظره، كذلك أكدت مجموعة الفتيات اللاتي كن متوقفات أمام المجسم استغرابهن من تلك التصرفات، وقالت رولا “فتاة ضمن المجموعة”: من المستغرب فعلاً أن يعاود البعض تشويه منظر المجسم بعد أن قامت المحافظة بتجديده وطلائه، ألا يرى هؤلاء أن أفعالهم لا تروق للآخرين، ثم ماذا سيستفيدون من تلك الكتابات التي ستزال عاجلاً أم آجلاً إلا حصولهم على دعوات “الله لا يعطيهم العافية”، وختمت: إن كان هؤلاء يكتبون الذكريات، فالذكريات لها أماكن أخرى، وفي مثلنا الشعبي نقول: الحيطان والأعمدة دفاتر المجانين، وإن كانت الكتابة باعتقادهم تعبيراً عن الحب، فهذا ليس حباً، بل إساءة لرمزية الحب ومعانيه النبيلة.

حالات متعددة

وللمصادفة يلفت انتباهنا، قبل أن نمضي من ساحة الأمويين، مجموعة فتية، ومراهقون حاولوا الكتابة بواسطة قلم تخطيط أسود على أحرف المجسم إحدى ذكرياتهم، وما إن حاولنا الاقتراب منهم لسؤالهم عن أسباب تصرفهم، حتى لاذوا بالفرار، وكأنهم يدركون في قرارة أنفسهم أنهم يسيئون التصرف والفعل، وتأتي شهادة آخرين من العامة لتؤكد أن معظم من يقوم بهذه التصرفات هم من فئة المراهقين، والفتية، وطلاب المدارس الذين لا يمكن ضبطهم، أو معاقبتهم بشدة عند مشاهدتهم يقومون بتلك الأفعال، والملفت حقاً أن الحالة التي نتحدث بها عن مجسم ساحة الأمويين وحروفه الجميلة ليست إلا حالة مصغرة من أمثلة كثيرة، وحالات متعددة نشاهدها في الحدائق والأماكن العامة الأخرى، يتحدث أبو محمد، وهو بستاني يعمل في حديقة تشرين، كيف يقوم البعض بتشويه المقاعد الخشبية، وحفر الذكريات عليها، أو على الأشجار المجاورة، وهو ما يؤذي الأشجار، ويشوّه منظر المقاعد، ويضيف: قبل أيام فقط قمنا بحملة إصلاح كاملة للمقاعد الموزعة في الحديقة، وقمنا بجلب أخشاب جديدة لتركيبها مكان العوارض المكسورة أو المفقودة، إضافة لقيام البعض، للأسف، بالاعتداء على هذه المقاعد بين الحين والآخر وتحطيمها، فالكتابات والذكريات على أخشابها أصبحت منظراً معتاداً، وحتى المقاعد التي تمت صيانتها مؤخراً لم تسلم من هذه الكتابات والذكريات التي تحفر عليها، وتشوّه منظرها، وللأسف هناك صعوبة بالغة في ضبط هذه الحالات، أو معاقبة من يقوم بها، فمقعد الحديقة هو لتخديم العامة، وليس لكتابة الحروف والذكريات.

التنشئة الاجتماعية

يؤكد الدكتور مهند إبراهيم على دور التنشئة الاجتماعية في توعية الطفل منذ البداية لأهمية الممتلكات العامة، ويقول: يجب أولاً أن نبدأ من التنشئة الاجتماعية الأولى ضمن إطار الأسرة، لأن الطفل يتعلّم الكثير من القواعد والقوانين عن طريق الأهل، وتحديداً معايير السلوك الاجتماعي الإيجابية، ويجب أن يتكامل هذا الدور في الدرجة الثانية مع رياض الأطفال، والمدارس كمؤسسات تربوية تعليمية، وبالتالي من المفروض أن يتعلّم الفرد منذ البداية أنماط السلوك الإيجابي، وهذا السلوك له أيضاً طرق وأدوات أخرى، منها التقليد والمحاكاة، فهذا السلوك هو ما يجعل الفرد مقبولاً في المجتمع، ويوضح د. إبراهيم: للأسف الشديد هناك الكثير من السلوكيات الاجتماعية السلبية التي تفرض وجودها على واقعنا كمجتمع سوري، والأمثلة كثيرة جداً كتخريب المرافق العامة، والكتابة على المقاعد أو الممتلكات العامة، ورمي الأوساخ في الطرقات، ووسائل النقل، والحدائق، وهذا ينتج عن عدم الإحساس بالمسؤولية الذاتية، وعدم تقدير الغير، فمثلاً عندما يقوم أحدهم بسلوك سيىء كالكتابة على المقاعد، ويرى الناس هذا السلوك يتكرر بصورة دائمة في الشارع والحديقة، فإنهم يتقبّلونه لاشعورياً، مع وجوده في العقل الباطن، فيقوم الفرد بتكراره بشكل تلقائي ودون انتباه، والسبب هنا يكون عن عدم فهم المسؤولية الذاتية، وعدم الإحساس بالآخرين، أي عندما نرى هذه السلوكيات نكررها باعتبار أننا جزء من هذا النسيج، لذلك نجد أن الكثير من القوانين لا تجدي، ويؤكد د. إبراهيم أنه لتعديل هذا الأمر يجب العودة بالضرورة لعملية التنشئة الاجتماعية الأولى، وأيضاً من خلال المعززات، فالمفروض مثلاً القيام بحملات تظهر الضرر الناتج عن هذه السلوكيات، وعدم الجدوى منها، ومن المهم وجود القدوة دائماً لتعديل السلوك، وأخيراً يمكن أن تكون القوانين الصارمة، والمحاسبة المباشرة طرقاً مفيدة في تحويل السلوك وتعديله، لكنها لا تحدث التغيير الدائم الذي ينشده المجتمع مثل الأساليب الأخرى التي تستخدم التأثيرات النفسية: (الإيحاء، السلوك المتكرر).

محمد محمود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تعليقات