تقرير إخباري مستقبل سورية من دون الغرب

هذا المقال رقم : 17 من 63 من العدد 2019-1-10-16267

معروف لدى القاصي والداني أن وسائل الإعلام الفرنسية الرسمية الكبرى، على شاكلة لوموند ولوفيغارو، تبنّت الخطاب الفرنسي الرسمي المعادي لسورية منذ بداية الأزمة في آذار 2011، وأطلقت حملة بروبوغاندا شعواء ضد الدولة السورية والجيش العربي السوري، ونصّبت نفسها محامي دفاع وناطقاً باسم حقوق الإنسان عن الشعب السوري. فاعتبرت الخارجين عن القانون والإرهابيين “متظاهرين سلميين” و”طلاب حرية وديمقراطية”. إلا أن هناك مواقع صحفية وإعلامية فرنسية مستقلة  لصحفيين أحرار من سلطة اللوموند والفيغارو، ويمتلكون أقلاماً جريئة وقوية انتقدت بشدة سياسة فرنسا وموقفها العدائي من سورية. من بينهم على سبيل المثال لا الحصر الصحفي المخضرم ريتشارد لابيفيير، مدير تحرير موقع “الشرق الأدنى والأوسط” الذي نشر مقالاً مطولاً بعنوان” مستقبل سورية من دون الغرب” متحدّثاً فيه عن الانتصار الكبير الذي حققته الدولة السورية وحلفاؤها على الإرهاب والتغلب على تآمر 68 دولة عليها.

في البداية أشار الكاتب إلى أن هناك أزمات معقدة يصعب التغلّب عليها بسبب جذورها العميقة كالصراع العربي- الإسرائيلي، وحروب البلقان، والإبادة الجماعية في رواندا. وسورية تحتل مكانةً خاصة كونها أيقظت ثلاثة شياطين في الوقت نفسه: شيطان الاستعمار والاستياء من الوصاية الفرنسية على عصبة الأمم، وشيطان العداء للاتحاد السوفييتي في زمن الحرب الباردة، وشيطان الأقليات.

وفي شرحه للشيطان الأول، نوّه ريتشارد إلى الأخطاء الفادحة المتكرّرة للدبلوماسية الفرنسية في الشرق الأوسط عموماً وفي سورية بشكل خاص، حيث تدخّل نيكولا ساركوزي وألان جوبيه، مع البريطاني ديفيد كاميرون والأمريكي باراك أوباما، في شؤون دولة مستقلة وذات سيادة، واتخذ القرار المفاجئ بإغلاق السفارة الفرنسية في دمشق في آذار 2011، وقطع كافة العلاقات الدبلوماسية مع سورية، أما الشيطان الثاني فهو هيستريا معاداة الشيوعية، والعمل على إظهار روسيا بصورة الشر المطلق على الدوام، وفي كافة الظروف والأزمان.

أما الشيطان الثالث والأخير، فيتجسّد في وحش الأقليات، التي يجب استغلالها على قدم وساق لغايات مبيتة، ووفقاً للقول الروماني المأثور: “فرّق تسد”، فقد سعى الغرب ومعه “إسرائيل” لاستغلال الأقليات العرقية والدينية، حيث أوصى ديفيد بن غوريون بإعادة الشعوب العربية إلى مرحلة القبائل بطريقة تعود بأكبر فائدة على ما يسمى “دولة إسرائيل الشابة”، إذ تقتضي مصلحة الكيان الصهيوني بتقسيم العالم العربي إلى أقاليم ودويلات بغية إضعافه، قائلاً: “يجب أن يكون تقسيم سورية والعراق على أساس عرقي أو ديني، على المدى الطويل، أولوية بالنسبة لـ “إسرائيل”، والخطوة الأولى ستكون تدمير قوتهما العسكرية، وتقسيم العراق الغني بالنفط سيكون أكثر أهمية من تقسيم سورية، فهو يشكّل التهديد الأكثر خطورة على “إسرائيل” في المدى القريب”.

لكن عندما أعلن ترامب أنه سيسحب قواته من سورية، ارتبكت الحكومتان الفرنسية والبريطانية، وتساءلت الفيغارو بسذاجة مطلقة: من دون دعم الأمريكيين، كيف يمكن العمل للاستمرار في الضغط على “داعش” ومطاردة الجهاديين الفرنسيين، وتهديد النظام في حال شن هجمات كيميائية جديدة؟! كان حري بصحفيي الفيغارو التساؤل على الشكل التالي: في سياق العقيدة الماكرونية، هل ستكون أوروبا قادرة على إيجاد ما يكفي من الطاقة والموارد للدفاع عن نفسها والتحوّل إلى قوة مستقلة عبر الأطلسي؟، ومتى سيجد الصحفيون الفرنسيون الذكاء والقوة للقيام بعملهم بشكل موضوعي؟.

هيفاء علي

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تعليقات