تمثيل سيدي تمثيل!؟

هذا المقال رقم : 28 من 68 من العدد 2018-9-12-16186

د. نهلة عيسى

أزعم, وبعض الزعم يقين, أن التمثيل وليس البغاء كما هو شائع, هو أقدم مهنة في التاريخ, بل أقل المهن غموضاً وحاجة للاحترافية, لأننا جميعاً منذ أن نولد على الأرض.. نمثل, أليست أساليب التربية والتعليم نوع من أنواع المحاكاة, أي التقليد والتمثيل؟ وأليس التكيف الاجتماعي تمثيلا؟ والرغبة في نيل حب ورضا الآخرين.. تمثيلا؟ وأليس عالم السياسة بعلنيته وكواليسه هو أكثر مسارح التمثيل تباهياً وتكلفاً وسوءاً؟.

لذلك من الصعب تخيل وجود أحد ما يعيش في هذا العالم بدون أن يمثل, أولاً: لأن التمثيل موهبة فطرية ومهارة توجد في داخل كل واحد منا, وثانياً: لأنه وسيلة ضرورية للعيش وحماية الذات وسط عالم يرفض الاختلاف ويُدينه ويُجرمه, ويعتبره خروجاً عن الطاعة, أو في أحسن الأحوال.. جنونا, رغم أن كل التطور الحضاري والارتقاء الإنساني على مر التاريخ, يدين في وجوده إلى من تم اعتبارهم من قبل البشر الممثلين.. مجانين!.

ولذلك أعاني منذ طفولتي وعكة وجودية,  لطالما اضطرتني للنزول عن مشجب اليقين المسترخي, بأن الصحيح لابد أن يصح, للعيش في وحول واقعٍ هجين, أنا فيه رهينة ارتداد الطرف للحظة, وقاب شهيق أو أدنى من تصنيف لا يُنيبُ أحداً عنه في الحضور, ولا بدائل له تعادله أو ترادفه أو تشبهه أو تعوض عنه, لأنه الضد الواحد, الموازي البديل لأن تكون من وجهة نظر الآخرين سوياً أو غير سوي!؟

أعاني منذ وعيت, وعكة وجودية قادتني, إلى طقس آخر, ومناخٍ نفسي مختلف, وحالة أقرب إلى ما يسمى بلغة علم النفس (اعتلاء الذات), أي مغادرة الشخصي والذاتي, ومراقبة الأشياء مهما علت وعظمت أهميتها, من برج الزهد, ومن موقع المتأمل المدرك لعبثية وآنية كل ما يحدث ويجري, وأيضاً جماله وغلاه رغم كل ذلك, ربما لأن العابر هو جوهر الحياة, بل أصدق ما في الحياة, أو ربما لأنني مشروع عتيد للجنون!؟.

أعاني وعكتي الوجودية, وأرى صوراً زائفة جارحة, ومشغول عليها بعناية, من أفراد خلفهم مؤسسات, تُنشر وتُروج عن المختلفين سواء بالرأي أو السلوك أو العيش أو حتى اللامبالاة, لتبرر وتشرعن عزلهم أو قتلهم, دون خجل أو حياء أو تأنيب ضمير, والتهمة أنهم غير مدجنين, وهي تهمة أنا شخصياً, أعترف وأقر بها, ولن أوكل محاميا للدفاع عني منها, ولن أتبرع بها لأعمال البر والتقوى!.

وأصر دوماً على تجاوز التهم (التي تصل أحياناً في سخفها حد الابتذال) والعناوين إلى المتن, والصور إلى النص, لأفتش في الهوامش عما يمكن له أن يفسر لي, لماذا نرفض بعضنا البعض؟ ولماذا يجب أن نكون متشابهين؟ وما الذي يمنع أن نختلف ما دمنا لا نقتتل؟ وما الذي حول العالم كله, والوطن خاصة إلى صفحة مدفوعة الأجر للوفيات, ننعي فيها بعضنا البعض, ثم نجلس في مجالس العزاء نغبط أنفسنا أننا الناعون, ولو إلى حين؟ ونراقب حياتنا, وقد غدت مقصلة تشبه النصب التذكاري في مبرر وعفوية الوجود, وكل واحد منا إما معلق عليها أو جلادها, أو متفرج مجبر ينتظر دوره, ويدعو ويأمل على كرهٍ, أن يكون الجلاد, متنازلاً طوعاً عن كل الحب والتعاطف الذي يستدعيه دور الضحية؟.

أعاني, واسأل نفسي, لماذا نخلع جلدنا ونرتدي جلود التماسيح والثعابين, لنرضي الآخرين, فحتى “ثوراتنا” تمثيل وتقليد, لنقع في سيرك غريب عجيب, كأنما سقطنا سهواً من فيلم كاوبوي أو زومبي أميركي, وسط الأزقة الشعبية والأسواق العتيقة, والأحياء التي كانت ساكنة تحت كنف الجامع والكنيسة والمختار, والوهم الجميل بأن الياسمين في بيوتنا حارس وبواب, والغريب فعلاً, أن وهمنا صحيح, وياسمين الشام رغم البشاعة المفرطة لسيركنا العجيب, لم يتوقف لحظة عن التفتح!؟ ووجه سورية المدور كالرغيف, ما يزال نقياً مثل الرغيف, وما يزال متحدياً, مقاتلاً وعصياً, صامداً لم يفقد اليقين, أن طول شوارب الخصوم لن يحقق لهم ما يريدون, فلماذا نفقد نحن اليقين, ولماذا لا نحارب الاختلاف بإغماد السخرية في صدر التشابه الموات, ولماذا لا نتقاعد من الكذب, ونرضى, أو نقنع الذات, إن كان ذلك يرضي الذات, بأننا جميعاً ممثلون, ولكن تختلف المنصات!؟.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تعليقات