جولة أخيرة من التصعيد

هذا المقال رقم : من 71 من العدد 2018-8-31-16178

 

من يتابع تصريحات الإدارة الأمريكية حول إدلب واستنفار ترسانتها وبوارجها الحربية وقواعدها العسكرية في المنطقة يتهيأ له أن الجيوش الغازية باتت على أعتاب واشنطن ونيويورك، ولابد من حشد كل الطاقات وشحذ الهمم لدرء الخطر!، بينما هي في واقع الحال تأتي في سياق لعبة المصالح، التي لا تنفصل عن رعاية الإيديولوجيات المتطرّفة بغية مواصلة استعمالها كـ “حصان طروادة الأسود” المكلف بالتدمير واستمرار المعركة، في إطار محاولة أخيرة للخروج بأقل الخسائر وتأجيل موعد الحسم إلى إشعار آخر.

نعم تريد أمريكا، ومن معها في محور الحرب، منع معركة إدلب بذات الأساليب التي استخدمتها طوال سنوات الحرب، وذلك لتدبّر أمر الخروج ببعض المكاسب، تارة عبر التهديد والوعيد، وتارة أخرى عبر التحضير لمسرحية كيماوية جديدة ينفذها مرتزقة الخوذ البيضاء بحق الأبرياء، الذين ما تزال واشنطن تعتبر نفسها مدافعاً عن حقهم في الحياة وعيشهم بحرية وكرامة.. هي ذات الاسطوانة التي مللنا سماعها منذ سنوات وراح ضحيتها الآلاف قتلاً وتشريداً، والتي دمرت البنى التحتية، هذا فقط إثر استهداف طيران “التحالف”، وما حدث في الرقة أكبر شاهد على ذلك.

وبالتالي فإن كل التصعيد الكلامي والضجيج الإعلامي الذي تمارسه أمريكا هذه الأيام وتهييجها للمنظمات والهيئات الدولية والضرب على وتر المعاناة الإنسانية للأهالي هو خدمة لهدف واحد يتلخص في تبرير عمل عسكري على غرار العدوان الثلاثي الأمريكي البريطاني الفرنسي العام الماضي ينعش آمال فلول “معارضتها المعتدلة” للاستمرار في تنفيذ ما يتمّ الإيعاز به لها عبر المحافظة على هياكلها الإرهابية لتبقى سيفاً مسلطاً على رقاب السوريين من جهة، ومن جهة ثانية تكون عائقاً أمام الدولة السورية في استعادة سيادتها على كامل التراب الوطني لتتقدّم خطوة أخرى باتجاه إعادة المهجرين، والذين تحوّلوا إلى أداة ابتزاز جديدة بيد المستضيفين ومشغليهم، والبدء بإعادة الإعمار وصولاً إلى حل سياسي للأزمة عبر حوار وطني يلبي المصلحة الوطنية العليا.

هي ببساطة جولة أخيرة من العنف تقودها واشنطن لتعويض خسائرها واستعادة شيء من الهيبة التي افتقدتها بعد أن بدأ أقرب حلفائها في أوروبا يسعون للخروج من تحت عباءتها والاعتماد على أنفسهم في حماية أمنهم ومصالحهم إثر التخلي الترامبي عنهم. ما يعني أن أي عدوان عسكري خارجي على سورية، إن وقع، سيكون بتخطيط وتنفيذ أمريكي وتمويل خليجي، وسعودي خاصة، بالتزامن مع محاولة الاثنين معاً التحرّك لتقديم عروض ومقترحات تتضمن وقف التمويل والانسحاب مقابل حلحلة محور المقاومة وإفراغ الانتصار من مضمونه ومنع تحقيق منعكساته على الساحتين الإقليمية والدولية، هي في الواقع مقترحات ساذجة وتعكس بالمجمل حال هؤلاء، وقوبلت برفض تام، حتى لو استمرت المعركة لأمد أطول، فخيوط اللعبة لم تعد خافية على أحد، والفرق بين محوري الصراع أن محور الحرب متخبّط لا يعرف سبيلاً للخروج بماء الوجه، ومحور المقاومة الذي لم تستطع أمريكا هضمه حتى الآن رغم خسارتها معظم الأوراق التي تلاعبت بها لعقود خلت، والذي وضع نصب عينيه ولوج عالم متعدد الأقطاب، ولن يتخلى عن هدفه.

واقع الحال يؤكّد أن قواعد اللعبة تغيّرت، وشكل التحالفات الجديدة بات واضحاً للجميع، فتهديد سورية بعدوان عسكري جديد لا يستهدفها فحسب، بل يستهدف محوراً يمتد من دمشق مروراً ببغداد وطهران وصولاً إلى موسكو وبكين، وبالتالي فإن نفخ العضلات الأمريكية وتصريحات دبلوماسيتها النارية لن تصرف لا في ميادين القتال ولا على طاولات التفاوض السياسي، ولعل الحشد الروسي الأكبر في المتوسط، وتأكيد وزارة الدفاع الروسية عزمها على مساعدة الجيش العربي السوري في صد أي عدوان خارجي محتمل، وكشفها عن سيناريوهات الكيميائي أمام مجلس الأمن سيجعل أصحاب الرؤوس الحامية في البيت الأبيض يعيدون حساباتهم.. وفي النهاية فإن المهزوم لا يمكن بأي حال أن يفرض شروطه على المنتصر.

عماد سالم

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تعليقات