حب البلاد

 

 

أنصتَ إلى نشرة الأخبار بهدوء، وقد اجتاحت قوات الاحتلال الاسرائيلي، التفت إلى صديقه وأنشد قصيدته للجنوب:
جُولي سَبَايا الأَرضِ/فِي أَرْضِي /وَصُولي واطْحَنِي شَعْبِي/جُولي وَصُولي/واطحنِي صُلبي/لَنْ يَكْتَوي قَلْبي، لنْ يكتوي قلبي ولَنْ يَدْمَى/تنحلُّ حمَّى العَارِ/فِي غيبوبةِ الحُمّى/لن يَكْتَوي قَلْبي ولَنْ يَدْمَى/قَلْبي الأَصمُّ الأَبْكَمُ الأَعمَى.
استطرد بعدها يقول: “هذا الجنوب يسكن قلبي، من سيمحو العار عني”؟. وفي المساء هز سكون المكان صوت رصاصة اخترقت الفضاء ودماغ خليل حاوي إذ لم يحتمل تصور المشهد ملوثاً بأقدام جنود الاحتلال تطأ تراب الوطن، أو يتجولون في شوارع بيروت على ظهور دبابات إسرائيلية.. هو إعلان محبة للبلاد وتحاشياً للعار القادم، مدفوعاً بالخيبة والخذلان من كل شيء، خيانة كل شيء.
………
في أواخر آذار الماضي حدث أن قررت مذيعة ما في قناة فضائية أن تعلن للبلاد حبها على طريقتها وبكل فخر، وكأنها حققت أهم انتصاراتها للوطن، احتفت بإجراء أول حوار مع مسؤول إسرائيلي على وسيلة إعلام” سورية”؟! منذ قيام كيان الاحتلال على الأراضي الفلسطينية.
هكذا وطوال مدة اللقاء اكتفت مذيعة “أورينت” بأن تهز رأسها موافقة على كل ما تفوه به ضيفها، وقد أتاحت له المجال وهو يقدم أكبر كيان عنصري اليوم كأفضل سفير للسلام وصاحب التأثير الأقوى على الموقف الدولي تجاه القضية الفلسطينية والحرب التي تدور على التراب السوري.
هكذا رأت السيدة المحتفية في إنجازها “حباُ وصالحاً للبلاد بعيداً عن الشعارات والمزايدات التي ملت منها”.
أتراها سمعت يوماً قبل أن تعلن حبها، بأساطير الخلق التي أبدعها أجدادها السوريون، تراها قرأت يوماً عن حسناء كانت حارسة الكرامة في البلاد تدعى زنوبيا، أو لم تعرف شيئاً عن المعري والكواكبي، أو قرأت بيتاً من الشعر لنزار يعلن الحب للشام هل سمعت القليل.. القليل عن أدونيس أو الماغوط، هل تأملت يوماً جدران الشوارع في الأحياء القديمة، هل تنشقت يوماً عبير ياسمينها، يساورني الشك أنك علمت عن قوافل تخيرت دروب الفداء حباً بالبلاد، خالد ومالك، حميدة وميرنا وسناء هل تذكرت الصبية التي خرجت في حب البلاد ذات يوم ليس في الزمن ببعيد، خرجت تحمل سبعة عشر ربيعاً من عمرها وقد تأملت وتخيرت من دروب الحياة درباً وحيداً هو درب الفداء استهدفت بجسدها تجمعاً لقوات العدو لتكتب تاريخاً جديداً في الحب: “هذا جسدي وهذا دمي على كفي أرد الأمانة حباً للتراب صاحب الأمانة”.
وفي حب الأوطان من مثل يوسف العظمة يتخطى غدر البعض وتخاذل البعض الآخر، وغورو على مشارف دمشق فيصرخ:” لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى حتى يراق على جوانبه الدم”. يسبق جنوده للشهادة يختصر بفعله كل معنى للفداء وحب الأوطان، ويكتب بدمه رسالة غاية في عشق البلاد، ويعبد الطريق للأحرار بداية للتحرير ونهاية الاحتلال.
………
ذات يوم قال سعادة يخاطب أبناء الحياة: “إن فيكم قوة لو فعلت لغيرت وجه التاريخ” ولأن أبناء هذه البلاد شهداء وأحياء أجيالاً تأتي بعد أجيال،هم أبناء حياة فقد فعلوا وما زالوا وغيروا وجه التاريخ، وهذا هو حب البلاد.
بشرى الحكيم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تعليقات