حـــق العـــودة لـــن يمـــوت

 

ترجمة: هيفاء علي
عن ريزو انترناسيونال 6/4/2018
منذ الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية لم يتوقف الغرب يوماً عن التصفيق والتهليل لمشاهد القمع “الإسرائيلي” بقوات مدججة بالسلاح ضد عشرات الآلاف من المتظاهرين السلميين الذين لا يطلبون سوى العدالة. الآن سار مئات الآلاف من الفلسطينيين نحو حدود قطاع غزة المحاصرة، لكنهم لم يتمكنوا من الاقتراب، لأنه على بعد عدة أمتار يتمركز جنود “النخبة الإسرائيلية”، ويطلقون النار على المتظاهرين ما أسفر عن وقوع 10 ضحايا ومئات الجرحى.
ما حدث، ويحدث يا سادة، ليس فيلماً سينمائياً، بل إنها غزة.. إنها فلسطين. منذ أكثر من سبعين عاماً، يسعى الشعب الفلسطيني بالسبل كافة المتاحة لانتزاع حقوقه الأساسية والطبيعية التي يضمنها له القانون الدولي والإنساني. على مر عقود من الزمن، شهدنا العشرات من الثورات التي تبنتها هيئات دولية ومنظمات غير حكومية من أجل المطالبة بحقوق الشعب الفلسطيني الأساسية والحرية وحق تقرير المصير وحق العودة إلى وطنهم، وإلى بيوتهم التي أخرجوا منها بقوة السلاح عام 1948، عندما شن الكيان الإسرائيلي عدوانه ضد مئات القرى والبلدات الفلسطينية، وقام بتهجير سكانها والتي كانت بلا شك بداية مشروع تطهير عرقي لا يزال مستمراً حتى يومنا هذا، ورغم شبه الإجماع لدى الحقوقيين الدوليين إزاء القضية الفلسطينية، إلا أن المجموعة الدولية لم تفلح في إعادة العدل والحق للشعب الفلسطيني الذي يعيش في مخيمات محاطة بالجدران في بلده وعلى أرضه، أو أنه أجبر على النزوح ليصبحوا لاجئين في كل أنحاء العالم، وعلى امتداد هذه العقود تبنت الدول الغربية علناً سياسات تساعد “إسرائيل”، وتشجعها على سياساتها الإرهابية، ليس هذا فحسب، بل تمدها بوسائل مواصلة احتلالها اللاشرعي للأراضي الفلسطينية، أما الولايات المتحدة الأمريكية فلم تدع أية دولة تسبقها أو تنافسها في الضلوع بهذا الظلم التاريخي، فهي لا تكتفي بتقديم مساعدات مالية سنوية مباشرة لـ “إسرائيل”, بل تستخدم على الدوام حق النقض “الفيتو” في مجلس الأمن ضد كل القرارات التي تدين السياسات “الإسرائيلية” منذ أكثر من سبعين عاماً، ويتضمن الدعم المالي الأمريكي لـ “إسرائيل” عشرات المليارات من الدولارات كمساعدة في العتاد العسكري الذي يمنح “إسرائيل” سبل قضم الحقوق والتطلعات الشرعية لملايين الفلسطينيين، وبذر الموت، وتدمير الإنسان الفلسطيني، وعليه عشرات الآلاف من الفلسطينيين فقدوا حياتهم، آلاف آخرون جرحوا، أو أصيبوا بإعاقات مستديمة، فيما يقبع آلاف آخرون في سجون نظام “عدالة” يحرم الفلسطينيين من أقل درجة من العدل. مؤخراً، ولمعاقبة الفلسطينيين أكثر فأكثر على إبداء إرادة سياسية، عملت الإدارة الأمريكية على اقتطاع أكثر من 360 مليون دولار من المبلغ المخصص لمساعدة برنامج إغاثة اللاجئين الفلسطينيين التابع للأمم المتحدة في الشرق الأدنى “الأونروا” والذي يبلغ 1،2 مليار دولار. يقدم هذا البرنامج إعانات في مجال الصحة والتعليم والغذاء لـ 5 ملايين لاجئ في العالم، أي ما يمثل 40 % من عدد السكان الإجمالي داخل فلسطين وخارجها. خلال الـ 25 عاماً الأخيرة، حاول الفلسطينيون تحقيق أمنيتهم الشرعية بالمشاركة في عملية التفاوض الطويلة والمعقدة، ولكن جراء انعدام التوازن في روابط القوة على الأرض، ووجود فريق دولي ثابت مؤيد لـ “إسرائيل”، استخدمت “إسرائيل” عملية التفاوض هذه كغطاء لبرنامجها الاستيطاني القائم على ضم الأراضي الفلسطينية الجائر في الضفة الغربية، ولم تكتف بذلك، بل تواصل هجومها الممنهج ضد الحقوق الأساسية للشعب الفلسطيني في كل الأراضي المحتلة من بينها قطاع غزة المحاصر. الهدف الرئيس من حصار عملية التفاوض تقويض أي أمل ينشد الحرية والعدالة، وكل أمل بالدولة الفلسطينية المستقلة، إضافة إلى خنق حق العودة.
حقيقة الحياة اليومية للشعب الفلسطيني تحت نير الاحتلال، سواء في الضفة الغربية، أو في قطاع غزة المحاصر، يمكن تلخيصها بالبؤس والألم والظلم: “اعتقالات تعسفية، اغتيالات، مصادرة الأراضي والمنازل، بطالة، حرمان من الرعاية الصحية، ومنع من السفر”، هذه هي يوميات الملايين من الفلسطينيين، الشعب الفلسطيني يا سادة كباقي شعوب العالم الأخرى يحب الحياة، ويحب وطنه وأسرته، وكل ما يطلبه ويصبو إليه أن يعيش الأطفال حياة أفضل، ويكون أمامهم مستقبل أفضل، ومع ذلك يبدو أن حلم الشعب الفلسطيني الشرعي غير مقبول وغير مسموح به من قبل العديد من دول العالم التي تدعي الاهتمام به وبقضيته.
فلسطينيو غزة قرروا تنظيم هذا المسير السلمي نحو تخوم الجدار الفاصل الذي يمنعهم من المطالبة بحق تقرير المصير، خرجوا يطالبون بإنهاء الاحتلال، وإنهاء حصار غزة، والاعتراف بحق الشعب الفلسطيني بالعودة، وفقاً للقرار 194 الصادر عن الأمم المتحدة عام 1948.
بدأت هذه المظاهرات السلمية بالتزامن مع إحياء ذكرى “يوم الأرض” الذي سقط خلاله 6 شهداء عام 1976 عندما كانوا يدافعون عن أرضهم المصادرة من قبل السلطات “الإسرائيلية” في مدينة الجليل، المظاهرات ستستمر حتى 15 أيار المقبل، وهو تاريخ الذكرى السبعين “للنكبة” التي تم خلالها تهجير وتشريد أكثر من مليون فلسطيني من بيوتهم، الشعب الفلسطيني كله داخل فلسطين وفي المهجر يشارك في هذا المسير والمظاهرات السلمية للمطالبة بالعدالة والحرية وحق العيش، وقد تم تشكيل لجنة وطنية تمثّل كافة القوى والفعاليات الفلسطينية، والمجتمع المدني، والشخصيات المناصرة للشعب الفلسطيني، وقامت اللجنة بنشر العديد من الإعلانات والتعليمات للراغبين بالمشاركة بالمسيرات التي تشدد على السمة السلمية لهذا الحراك، وضرورة تفادي العنف، ومع ذلك حدث ما كان يتخوف منه المتظاهرون، جنود الاحتلال الإسرائيلي يفتحون النار على المتظاهرين، ويصيبون المئات منهم.. “إسرائيل” خائفة منذ زمن طويل وتحاول عرقلة كل الجهود الرامية إلى إظهار حقيقة الاحتلال الإسرائيلي، وحصار غزة للعالم أجمع، والتي تدحض الادعاء “الإسرائيلي” بأنها الدولة الديمقراطية الوحيدة في المنطقة التي تحترم وتحمي حقوق الإنسان، وترعى حق حرية التعبير، إلا أن الممارسة اليومية لقوات الاحتلال تظهر حقيقة مغايرة تماماً، حقيقة معجونة بالعنصرية، والعنف الممنهج إزاء حقوق الإنسان، وما اعتقال الفتاة الشابة عهد التميمي ذات الـ 17 ربيعاً لأنها ضربت جندياً “إسرائيلياً” مدججاً بالسلاح عند اقتحامه منزل أهلها في الضفة الغربية، إلا برهان من بين مئات الأحداث التي تظهر ما هي الحياة والموت في فلسطين، وكم من معتقل مظلوم وبريء كما عهد التميمي يقبعون في سجون الاحتلال الإسرائيلي، ومنذ وقت ليس بطويل، قام قناص “إسرائيلي” من النخبة بإطلاق النار على الشاب إبراهيم أبو ثريا على كرسي متحرك لأنه رفع العلم الفلسطيني عند حدود غزة، وعلى مرأى الجنود “الإسرائيليين” الذين يراقبون كل داخل وخارج من القطاع المحاصر الذي يضم أكثر من مليوني شخص.
ومع الأخذ بعين الاعتبار التاريخ الطويل الموثق بأعمال العنف من قبل الاحتلال الإسرائيلي، يخشى الفلسطينيون، رغم سلمية المظاهرات والمسيرات، أن تستخدمها “إسرائيل” ذريعة لقتل وجرح المزيد من الفلسطينيين، في الماضي لم تتأخر قوات الاحتلال في استفزاز المظاهرات السلمية لإجبارها على توليد مواجهات عنيفة دفع الشعب الفلسطيني ثمنها باهظاً وهو يحاول إسماع صوته للعالم أجمع.
مرة أخرى يثبت الهجوم “الإسرائيلي” اليوم على المتظاهرين السلميين أن التاريخ يتكرر ويعيد نفسه، وأنه غالباً ما يتيح توقع ما سيجري، ومع ذلك لن يستسلم الشعب الفلسطيني، ولن تثبط عزيمته جراء الاعتداءات “الإسرائيلية” اليومية المعهودة، لأنه بكل بساطة يمارس حقه الطبيعي والأساسي بالمقاومة، مقاومة الاحتلال، مقاومة القمع والاحتجاج لضمان مستقبل أفضل لأطفاله، مستقبل يحمل لهم في طياته العدالة والمساواة، وهذا أقل ما يمكن أن يحلم به.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تعليقات