حل إنقاذي برائحة المازوت

ليس حلاً سهلاً، لكنه بالتأكيد ليس مستحيلاً.. ففي أدبيات الإدارة الحكومية التقليدية ثمة ضروب مشروعة من العناد، هي الترجمة المبسّطة أو الوجه الآخر لمفهوم الإصرار، المطلوب بإلحاح بالغ في التعاطي مع المسائل ذات البعد العميق والمؤثر، سيما إن تموضعت في الحيز الاجتماعي بتشعباته ومتاهاته الكثيرة.

في هذا المضمار يبدو الاستحقاق الذي تقف إزاءه حكومتنا الآن قاسياً ومعنّداً، وبصراحة لن تكون مواجهته ممكنة إلّا بعنادٍ وقسوة أكبر في أروقة القرار التنفيذي، فالعنوان تحسين المستوى المعيشي، بل استدراكه، أما التفاصيل فمسكونة بمعطيات شيطانية حقيقية، ليس أقلها عدم كفاية الموارد، وهذه الأخيرة هي في الواقع حقيقة بالغة المرارة، تنطوي على احتمالات “شبه مفخّخة” في مقاربة خيارات الحلول الناجعة لها.. فالموقف صعب فعلاً، لكنها صعوبة لا تشفع مطلقاً بالإرجاء أو ترحيل الملف إلى المستقبل.

السيرة تقودنا إلى خيار “حل جراحي” قد يستصعبه العاملون في مطبخ القرار، وهو البديل الأفضل والأصح لخيار زيادة الرواتب الذي فهمنا أن القناعات آخذة بالتبلور حوله جدياً، بعد تلميحات رئيس الحكومة بشأن الزيادات القطاعية، وما تلاها بخصوص رواتب القوات المسلّحة، وحفّز حالة شدّ عصبي في انتظار الدور لدى كل العاملين في الدولة، بما أن الجميع مقتنع بتقدّم مؤسسته على قائمة الأولويات.

الحل الجراحي، الذي يكلّف أقل بكثير من كتلة الزيادة التي سيرتبها أي قرار بشأنها، يقودنا إلى المعالجة المتأنية والدقيقة على سلّة المشتقات النفطية، فالنتائج ستكون أفضل، وآثارها أوسع طيفاً من الغرق في مسار الرواتب، الذي يخص شريحة الموظفين، وعددهم حوالي 2,5 مليون من أصل أضعاف الرقم وملايين القادرين على العمل.

هنا تبدو مادّة المازوت المرشّحة لتحمل عبء المعالجة كاملاً، لأنها الأكثر تأثيراً في بنية حياة المواطن ويومياته، وتدخل في قوام كامل احتياجاته السلعية والخدمية، كما أنها وقود محركات التنمية الحقيقية للبلاد في بعديها الصناعي والزراعي.

الفكرة جديرة بالدراسة أكثر من فكرة زيادة الرواتب، لأن ثمة آثاراً إيجابية مباشرة وغير مباشرة، تتصل بكل مواطن وكل قطاع، ومن شأن إجراء تخفيض بقيمة 100 ليرة سورية على سعر اللتر الواحد، أن يدفع بحراك وتفاعل لافت في كل مسارات الحياة في هذا البلد الذي يقف على بوابات المخارج من أزمة معقدة..

تخفيض سعر المازوت أو بالأحرى دعم المادّة، سيخفف تكاليف إنتاج السلع والخدمات معاً، وبالتالي سيتراجع إنفاق الأسرة – الذي لا يقارن حالياً على الإطلاق بمتوسط الدخل- أكثر بكثير من نسبة أية زيادة على الراتب يمكن أن ينتظرها الموظف.. الموظف حصراً وليس سواه.

عائدات الإجراء ستكون شاملة، حتّى الخزينة المركزية ستنال حصتها، التي ستكون على الأقل عبارة عن استرداد كامل قيمة الدعم إن لم يكن أكثر، إذ ما أحسنت “المالية” تحصيل الرسوم والضرائب الناتجة عن النشاط والانتعاش الذي سينتجه قرار التخفيض، الذي يفترض أن يكون وفق آلية توزيع مدروسة، وليس عبر البيع المباشر في المحطات، كي لا نعود إلى مشكلة التهريب إلى بلدان الجوار.

الواضح أن خطأ وقعت فيه الحكومة في سنوات ما قبل العام 2010 عندما رفعت أسعار المشتقات النفطية، فربحت الخزينة دفترياً، وخسرنا تنموياً خسارات واسعة النطاق هائلة وموجعة، ولا بد من تصحيح الخلل اليوم، كي لا نترك مادّة المازوت حجر عثرة وشماعة وذريعة لكل من شاء الابتزاز والشكوى في آن معاً.

ناظم عيد

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تعليقات