حول آليات الحوار الحديثة

هذا المقال رقم : 16 من 64 من العدد 2018-10-10-16206

 

د. مهدي دخل الله

يدخل مجتمعنا اليوم مرحلة جديدة لم نعتد عليها في العقود السابقة.. وكل جديد لا بد أن يحمل صدمة معينة، حيث يشعر الوعي «المستقر» أثناءها أن الأرض تكاد تميد تحت قدميه.. وقد اعتاد على ثباتها.
إنه عصر جديد… عصر الأخذ والعطاء، الرأي والرأي الآخر، مع كل ما يحمله ذلك من هزة عنيفة أحياناً، وهادئة أحياناً أخرى، هزة في الوعي وفيما تحت الوعي.
الفيسبوك والتويتر وغيرها من منتجات التكنولوجيا الرقمية تفتح مجالاً واسعاً لتبادل الآراء بين الناس، مع كل ما يحمله هذا التبادل من إيجاب وسلب… لكنه الحوار الذي لا بد منه .. وما لا بد منه لا غنى عنه..
إنه تطور لم نختره نحن، وإنما هو مفروض علينا فرضاً في إطار عولمة تكنولوجية لا ترحم ولا تستأذن.. إنها ترفس الباب بقدمها غير مكترثة بمن هم في المنزل، تقاليدهم ..أخلاقهم.. قيمهم!..
وأعتقد جازماً أننا لو كنا – نحن العرب – صنّاع هذه العولمة التكنولوجية لقبلنا «بمصائبها» طوعاً ما دمنا نحن المنتجون، أما ونحن مستهلكون فقط، علينا أن نقبل بها، أعجبنا ذلك أم لم يعجبنا..
إن كل ما يمكن أن نفعله هو أن نسعى كي يكون حوارنا حضارياً، خالياً من الاتهامات المسبقة والستيريوتايب، ملتزماً بأدب الحوار وأدب الخطاب. والأهم من ذلك كله هو أن نعلم تمام العلم كل شيء عن مادة الحوار، لا أن نقيم قانوناً – على سبيل المثال – دون أن نقرأه بتمعّن، ودون شخصنة..
وفي مثل هذه القضايا، القراءة تعني استخدام المنهج المقارن أسلوباً لفهم الموضوع. فإذا قيّمنا قانوناً ينبغي مقارنته بالقانون الذي سبقه، لا جعل «الحالة الفاضلة» معياراً لتقويمنا..
ومن أخطر سمات «الحالة الفاضلة»، أي الحالة المطلقة، أنها خيالية، وفي صفتها هذه تمثّل الرغبة لا الإمكانات، وتعبّر عن الإيديولوجيا لا عن الواقع، فهي بذلك أداة غير حوارية بالأصل.
المشكلة إذاً ليست في تكنولوجيا التواصل ولا في الحوار. المشكلة هي في المحاورين أنفسهم الذين يتخلون عن موضوعية الحوار وعن آدابه وثقافته..
المحاور عندها يصبح عبداً للتكنولوجيا بدل أن يكون سيداً لها، وتصبح هذه التكنولوجيا أداة فتنة بين عبيدها بدل أن تكون أداة تفاهم بين أسيادها..
هذه الأداة حيادية تماماً، وديمقراطية تماماً.. إذا كان مستخدموها «عبيداً» لها، فذنبهم على جنبهم، وإن كانوا أسياداً لها أدت لهم خدمة غير مسبوقة في ديمقراطية الحوار، وسعة انتشاره، والأعداد الكبيرة التي تشارك فيه دون إذن من أحد.

mahdidakhlala@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تعليقات