حيـــن يكـــون الحـــزب قويــّــاً

تشهد الحياة الحزبية في المنطقة والعالم تحولات عديدة ومتنوعة عصيّة على التصنيف، ولقد أسفر ما سمّي بظاهرة «الانفجار الحزبي» عن تأسيس عشرات الأحزاب في زمن قصير. وكان هذا المشهد الحزبي الذي لم يعرفه القرن الماضي من حيث سرعته وتنوّعه و«اعتباطيته» صدى للمشهد الاجتماعي لا شك بشقّيه الاقتصادي والسياسي.
والسؤال الذي يتردّد طرحه، هل حافظت الأحزاب على ما كانت تملكه من قوة أم تراخت؟، وبالأحرى هل الأحزاب التي بقيت على قيد الحياة كان من الصواب الرهان على «الحياة الحزبية» هذه فيها؟.
في معرض الإجابة لا بدّ من بيان معنى «القوة» في الحزب، فهذا مُختَلف فيه، وهناك من يرى أن القوة تكمن في الوحدة الفكرية والتنظيمية، وآخرون يرون القوة في القدرة «البراغماتية» على تحقيق أهداف الحزب ولا سيما برامجه الانتخابية. وفي بعض الأحزاب والبلدان اعتمد الحزب على تعزيز قوته من السلطة، لكن ما هي السلطة، الحكم authority أم القوة power؟.
< حزب البعث استمدّ قوته التاريخية ليس من السلطة أبداً، بل من الشعب ومن انحيازه المطلق إلى آماله، إلى مصالح الوطن وقضايا الأمة، وإلى انتصاره للطبقات الكادحة والطليعية، ومن اندماجه في حركات التحرر الوطنية والعالمية. فقد انطلقت كوادره ولا سيما في مرحلة «النضال السلبي» المتميزة من المؤسسة الحزبية الصغيرة في المدن والأرياف إلى المزارع والمصانع والجامعات والمنابر الثقافية والبرلمان والجيش العقائدي… وحين وصل إلى السلطة حدثت إشكالات عديدة لايزال أثرها واضحاً في: أدبياته، وفي تاريخه النضالي.
لم تكن السلطة يوماً ما قوة راسخة ودائمة للحزب والدليل أن البعث حين ضحّى بحل تنظيمه في القطر السوري من أجل قيام حكومة الوحدة السورية المصرية عام 1958 بقي ممتلكاً عوامل القوة الكامنة التي عزلت الانفصاليين فيما بعد، كما أن الحزب حين ضحّت جماهيره بأريحية وطواعية ودون مقابل بالمادة 8 من الدستور السابق فإن دوره في المجتمع والدولة لم يتراخَ تجاه خسران ما اعتُبر سابقاً – خطأً – في هذه المادة «امتيازاً دستورياً».
< الآن، وفي ظلال الأزمة التي نعيش كوطنيين وقوميين عرب، الحزب في مخاض لا يمكن إخفاء عوارضه، ولا تجاهل نتائجه، ولا غضّ النظر عن حالة الترقّب التي تعيشها جماهيره. كما لا يمكن القفز فوق ما يواجهه من نقد، ومقترحات، وتحميله مسؤوليات التحديات الفكرية والتنظيمية والاجتماعية، وبالأحرى مسؤولية الأزمة الراهنة. حتى أن بعض البعثيين يتلذّذ بالتأنيب والتبكيت وجلد الذات، وبالحنين إلى الماضي حنيناً مقترناً بالقلق على الحاضر والمستقبل.
< كوادر الحزب وقيادته لا تنكر ذلك، ولا تعتبره شعوراً مرضيّاً محبطاً، لأنها تملك، وبحكم التجربة التاريخية، الديناميكية اللازمة والفاعلة للتعامل مع هكذا طوارىء وعوارض، مع القدرة على تبديد اليأس، وتفعيل الدور، وتجديد الحضور. لكن الواقعية الانتقادية التي نرزح تحت وطأتها اليوم لا تفيد إذا لم تقترن بالقدرة على رسم الآمال المنشودة مع مقترحات تنفيذها، هذه الواقعية طالب غوركي بـ «قتلها» لأنها في الأدبيات المنشودة تؤذي الواقعية الاشتراكية.
< دائماً الماضي جميل كذكريات، وماضي البعث لا شكّ مشرق ومشرّف، ولدينا معه تركة تاريخية ترخي بظلالها الوارفة على الحاضر والمستقبل، لكن أحياناً بظلالها القاتمة أيضاً، ولا مشكلة في استحضار تجربة الماضي الحزبي.. فمثلاً ينقل أنغلز عن صديقه ماركس قوله لرفاقه أثناء التحضير لاجتماع الأممية الثانية وجرّاء خلاف حاد: إذا كان ثمّة ماركسية فإن ماركس لم يعد ماركسياً…
< وبالمحصّلة، لم يكن الحزب في يوم من الأيام دون إشكالات فكرية وتنظيمية واجتماعية أيضاً، وإذا كان البعض يظن أنها اليوم أكبر وأكثر إيلاماً وحدّة فهو مخطىء، فالأكبر والأكثر إيلاماً وحدّة هو الوضع الإقليمي والدولي المنفلت من الضوابط الأخلاقية والقانونية والإنسانية في زمن نعيش فيه طفوَ الآثار التدميرية لتحالف قوى الامبريالية والصهيونية والرجعية العربية مع أبشع أنواع الاستثمار في التكفير والتطرّف والإرهاب.
< مع هذا الواقع تغدو المبادىء والثوابت في العمل الحزبي وفي الفكر والتنظيم مشكلة وكتلة صلبة، فالثوابت هي في القضايا الوطنية والإنسانية الكبرى فقط، ولا يمكن أن ننكر اليوم تغيّر مفهوم قسم غير قليل من جماهير شعبنا وحزبنا للوحدة العربية، وللاشتراكية، ولتفضيل المركزية على الديمقراطية، وعدم الاحتكام إلى الانتخابات كمعيار أساسي للديمقراطية…. إلخ، ولا شك في أن هذا ينسجم مع الرؤية التاريخية التي اكتنفت سيرورة الحزب كنشأة طليعية رؤيوية لم تغب عنها الواقعية التي شابتها أحياناً الرومانسية الثورية، وأحياناً الرومانسية الحالمة في مجتمع غني التشكيل والتنوّع والمطامح… ما يصعب معه إقرار نظرية كاملة لا متكاملة، أو عقائدية صلبة، أو تعميم طرح المبادىء والثوابت.
< ولهذا كان هناك حديث طويل وسجالات… وصولاً إلى إقرار المؤتمر القومي السادس للحزب «بعض» المنطلقات النظرية، ولهذا أيضاً لا مشكلة في أن تستمر اليوم الجهود لإعادة النظر فيها أكثر من عقد من الزمن.. وللأسف، فليس من هذا القبيل ترقّب بعض رفاقنا للاجتماع القادم للجنة المركزية للحزب!؟.
< وإنها لقراءة مهمة للأسباب التي دفعت بالرفيق الأمين القطري للحزب السيد الرئيس بشار الأسد لأن يوضّح بعض هذا من جانبه التاريخي النضالي، والفكري في ختام أعمال المؤتمر القطري التاسع للحزب عام 2000، وعاد بعد شهر ليوضّحه أكثر في خطاب القسم الدستوري في 17/7/2000، فقال:
«حين نتحدّث عن التطوير لنحدّد موقعنا الحالي والمستقبلي علينا أن نتحرّك بالتوازي على ثلاثة محاور: الأول طرح أفكار جديدة. الثاني تجديد أفكار قديمة لا تتناسب مع الواقع. الثالث تطوير الأفكار القديمة لتتناسب مع الحاضر والمستقبل».
< البعث اليوم وغداً قويّ، وقوّته تُستمد من الشعب قبل السلطة التنفيذية التي تدخله في سجال طويل مع نفسه ومع الآخر، وتضرّ به كما أضرّت بغيره من الأحزاب، وهو لن يعرف اليأس مع قساوة الواقع، فهذا الشعب واجه تحديات كبرى في تاريخه المعاصر وتجاوزها.. فعقب نكسة حزيران اتجه بعض القادة «حافظ الأسد – عبد الناصر» للاستقالة وطلب المحاسبة بعد الإقرار بتحمّل المسؤولية، لكن الشعب وقف من خلفهم وطالبهم باستمرار الدور ونبذ اليأس، فطالب الأدباء والكتّاب بتوجّه «كل الأقلام لخدمة معركة الوطن والأمة». يومها لم يكن هناك مكان لثقافة الارتزاق والبترودولار، فتمكّنت الأمة من إنجاز انتصار تشرين 73 . من هنا ينبع القلق من خطر خيانة المثقّف.
بالنتيجة: حين يكون دور البعث قوياً يكون الشعب والجماهير والوطن والأمة أقوياء. والدور لا يعطى بل يُنتزع. هذا هو جوهر تجربتنا النضالية.

د. عبد اللطيف عمران

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تعليقات