خارج ثنائية المنافسة والجودة مهن وحرف تبحث عن مساحة لها في سوق العمل.. وتحديات مؤثرة في طابعها وتطورها

تتخطى الحرف والمهن المرتبطة بالبيئة البحرية طابعها المهني المادي والاقتصادي الاجتماعي إلى أفق علمي تنموي، ما يجعلها تكتسي مع الزمن خصوصية التجديد المستمر بوصفها ضرورة وأولوية لمواكبة التنافسية والجودة، وبما يضمن الحفاظ على مزاولتها احترافياً بمرور السنوات والعقود الطويلة، ولعل اللافت في هذه المهن تنوعها وتدرجها وتباين طبيعتها، فهناك مهن بسيطة في مادتها وطبيعتها، وفي الوقت نفسه بالغة الصعوبة في الإتقان مثل الصيد البحري، وتطعيم الصدف البحري، وتقابلها مهن ذات طابع اختصاصي علمي مثل مزاولة المهن البحرية على متن السفن، وهناك مهن رديفة مكمّلة للعمل الملاحي البحري، كالتخليص الجمركي، وتتفرع فيما بين هذه المهن والحرف خدمات مهنية عديدة تتراوح ما بين مدّ وجزر في رحاب البيئة البحرية، ومن هذه المهن ما بقي محافظاً على طبيعته شكلاً ومضموناً، حيث لم تخرج عنه رغم تحديات التقانة التي حملت ما يماثلها شكلاً، لكنها لم تجارها جوهراً ومضموناً وإتقاناً.
تراثية بحرية
تتميز الحرف التراثية البحرية بروح إبداعية تنبع من غنى البحر بكنوزه ومحتوياته التي يجد فيها المهني الاحترافي مادته الإبداعية، ولعل أكثرها استقطاباً وعراقة وإبداعاً زركشة الصدف البحري التي تعتبر أقدم الحرف التراثية البحرية، حيث يستخدم الصدف البحري في تطعيم الخشب، ولا يخفى ما لهذه الحرفة العريقة من مقومات ترتبط بالبيئة البحرية، وبمهارة وفن مزاولها، حتى إن الكثيرين يجدون في هذه الحرفة أهم وأعرق الصناعات التراثية في محافظة اللاذقية التي اشتهرت تاريخياً بحرفة تطعيم الخشب بالصدف البحري، حتى إن الأعمال المشغولة بالصدف البحري لا تخلو من أي معرض، أو مهرجان، أو ملتقى تراثي يتناول الذاكرة التراثية لمحافظة اللاذقية، وما تشتهر به من حرف تراثية، وصناعات تقليدية، وقد كان لهذه الحرفة الإبداعية حرفيون رواد أصبحوا بمرور الزمن شيوخ الكار لها ممن أمضوا عقوداً من العمل المبدع فيها، لتظهر مصنوعاتهم بطابع متجدد لا يخرج مطلقاً عن البعد والمحتوى التراثي الأصيل للحرفة، وللصدف البحري أنواع عديدة وفق ما هو متداول من أهل الكار وشيوخه، فهناك صدف الضفر، وصدف الكيكون، وصدف الشوكو، والصدف المضلع، ولكل نوع من هذه الأصداف منطقتها الشاطئية التي يتم الحصول عليها من شاطئ اللاذقية، أما المجالات التي يتم استخدام الصدف فيها فعديدة، وأهمها التزيين والتطعيم الخشبي في تصميم لوحات خشبية لتزيين الجدران، كما يتم استخدامها في الأعمال، والتصاميم، والتشكيلات التزيينية في المنازل، والمعارض، والمحال، والأماكن التي يرتادها الزوار.

إحياء المهن التراثية
وعن أهمية المهن والحرف التراثية المرتبطة بالبيئة البحرية الساحلية، وسبل تحقيق استدامتها، يؤكد نائب رئيس مجلس مدينة اللاذقية سمير الشعّار بأن أهمية هذه المهن التراثية تكمن في اقترانها بالذاكرة الشعبية، وبالإقبال على مشغولاتها ومنتجاتها ذات القيمة تكتسي مشروعات إعادة تأهيل المواقع التراثية في مدينة اللاذقية القديمة الطابع السياحي والاقتصادي، إلى جانب البعد المعماري الجمالي من خلال إسهامها في تنشيط السياحة الشعبية، وتوفير الفرص الاستثمارية والتشغيلية التي تم لحظها في مشروع التأهيل لتحقيق الوظيفة الاستثمارية قيمة مضافة في المشروعات المدرجة في خطة تأهيل المباني والساحات والأزقة القديمة، وتوصف هذه المشروعات بالواعدة، وأهمها السوق الحرفية التراثية الشعبية التي تم لحظها في هذه المشروعات، حيث تفتقر اللاذقية لسوق حرفية تراثية للمهن البحرية كالصيد وغيره، رغم كونها مدينة بحرية، وشاطئها يستقطب نشاطاً ملاحياً متنوعاً، وتكون الأولوية لحماية التراث المعماري التاريخي، وهذا الإجراء ذاته ضروري للجذب السياحي، ذلك أن مشروع إعادة تأهيل البلدية القديمة يتوسط السوق التجاري الرئيسي، حيث تم تأهيل الواجهات والأبواب والأزقة والشرفات، ليكون منطلقاً لمواقع عديدة منها السوق الحرفية التراثية الشعبية التي تم إدراجها في خطة التأهيل للفترة المقبلة، وإيجاد التوظيف الاستثماري الأمثل لهذه السوق في تجميع الحرف الشعبية التراثية، وسوق المهن البحرية في مدينة بحرية شاطئية نظراً للحاجة إلى سوق للمهن البحرية، وأدوات الصيد، وكل ما يتعلق بالأحياء البحرية، وهنا تكمن أهمية أسواق الحرف الشعبية المرتبطة بالبحر والشاطئ والصيد.

طابع التخصص
وأوضح نائب رئيس مجلس المدينة بأنه في الإطار العام تشكّل الأسواق التراثية القديمة في مدينة اللاذقية جزءاً من ذاكرة المدينة وتراثها الشعبي والعمراني، وتفرّد بعضها بطابع التخصص المقترن بما يتم تداوله من منتجات وسلع، أو بشكل تصميمها أو ارتباطها بمهنة سبغت عليه هذا الاسم على مرّ الزمن كسوق الصاغة، وسوق الداية، وسوق البالة، وسوق البازار، وسوق السمك، وسوق العطّارين، وسوق الصفن، والسوق المقبي، وغيرها من أسواق قديمة، ولعل الملاحظ أن الأسواق الشعبية القديمة تتوضع بمجملها في النسيج العمراني للمدينة القديمة التي تشتهر بهذه الأسواق العريقة التي تحوّلت مع الزمن إلى مقصد رئيسي لأبناء اللاذقية وزائريها، لأن عدداً كبيراً من محالّها كما في السوق المقبي ذات الخمسة أبواب تتميز بتصاميم المحال التراثية القديمة، وبنوع حجارتها وشكلها وسقفها المرتفع، وتجد في مثل هذه الأسواق من يزاول مهنة ورثها عن أبيه وجده، وتعود مزاولة المهنة إلى النصف الأول من القرن الماضي، وبعضها أقدم، ومنها على سبيل المثال الحياكة، وصناعة الصابون، وتعبئة القطن، وتجارة الحبوب، وأدوات الصيد، والصناعات الحرفية التقليدية، والأقمشة، وغيرها من صناعات ومنتجات يدوية تقليدية من البيئة المحلية.

المهن البحرية
تتلاقى مؤشرات الترخيص للمهن البحرية وعدد الرخص الممنوحة لمزاولتها مع اعتماد وتطبيق معايير وأسس محددة للحصول عليها في مقاربة واضحة تعكس تسارعاً ملحوظاً خلال الآونة الأخيرة في إجراءات ضبط جودة وسلامة مهن العمل البحري والملاحي، رغم التحديات الكبيرة التي تواجه هذا القطاع خلال الأزمة الراهنة التي رغم تداعياتها ومنعكساتها لم تحدّ من إقبال البحّارة السوريين على استحصال التراخيص النظامية المعمول بها لتتسنى لهم مزاولة المهن البحرية بمختلف الاختصاصات والمجالات، ومنها تموين السفن، وإدارة السفن، وتنظيف ودهان عنابر السفن، والصابورة، والمرجل، واستشارات فنية، وخدمات بحرية، وجمع المخلفات الصلبة والسائلة، وكشف ومعاينة السفن والبضائع، وصيانة وإصلاح بدن السفينة، وصيانة أجهزة ملاحية ومعدات سلامة، وبناء وتصنيع السفن، وأعمال الصيانة تحت الماء، وما يدعو للتفاؤل أن عدد الرخص الممنوحة يقدّر بالمئات خلال العام الجاري.

هيكلية ناظمة
ولأن عدداً كبيراً من مزاولي المهن الملاحية والبحرية هم بحّارة يعملون في القطاع البحري الخاص، يقترح خبير بحري أكاديمي إحداث جمعية على شكل هيكلية تؤطّر مجال عملهم كقطاع خاص، وتعنى بمتابعة شؤونهم وقضاياهم، وأوضح أن البحّارة هم أصحاب مهن بحرية متعددة يعملون بشكل حر، وليس لديهم تأطير ينظمهم لأنهم غير موظفين، ولا يعملون في مؤسسات أو شركات، وإنما يعملون على ظهر السفن، وفي خدماتها، وهم دائمو السفر والتنقّل والحركة، ومن الممكن إيجاد هيكلية لمزاولي المهن البحرية أسوة بغيرهم في جمعيات الصيد البحري والوكلاء البحريين، لأن البحّارة هم من يزاول المهنة البحرية في البحر، وعلى ظهر السفن، وهذا المقترح- برأي الخبير- في حال تحقيقه يساعد في الجانب الإحصائي، والخدمي، والملاحي أيضاً.

التخليص الجمركي
تتقدم أولوية إحداث نقابة مهنية للمخلصين الجمركيين غيرها من الأولويات المطروحة بجدية للنهوض بقطاع التخليص الجمركي الذي تشغل منطقة العمل المرفئي، والنافذة البحرية، والمنطقة الحرة المرفئية، إضافة إلى المنطقة الداخلية، منافذ أساسية لعمل هذا القطاع، وقد اتضحت هذه الأولوية لدى لقاءات مع عدد من العاملين في هذا القطاع الذي علمنا أنه يعمل به في محافظة اللاذقية لوحدها نحو 600 مخلّص جمركي من خلال مكاتب تتفاوت حصة عملها من مكتب لآخر لاعتبارات عدّة، وهذه تعدّ مشكلة لأن عدداً من هذه المكاتب تستأثر بالجزء الأكبر من طاقة العمل في هذه المهنة ذات الطابع الاقتصادي، ما بات يحتّم ضرورة تطوير هذا القطاع، وذلك بدءاً من إحداث نقابة مهنية علمية مستقلة تسهم في تذليل صعوبات هذا القطاع الذي يتبع لاتحاد الجمعيات الحرفية، وهذا لا ينسجم مع طبيعة عمل المخلّصين واختصاصهم، حيث لاتزال مهنة التخليص تصنّف كمهن حرفية، في حين أنها مهنة اختصاصية علمية تعتمد مزاولتها على قانون الجمارك، وأحكام قانون التجارة الخارجية، والتشريعات والقرارات الوزارية ذات العلاقة بالاستيراد والتصدير والترانزيت، ومن يزاولها فهو يزاول واحدة من المهن الاختصاصية كالمحاسبة القانونية، والمحاماة وغيرهما، ووفقاً للمادة /190/ من قانون الجمارك رقم /38/ لعام 2006 فإن المخلّص الجمركي هو كل شخص يمتهن إعداد البيانات الجمركية، ويقدمها إلى إدارة الجمارك، وحددت المادة /191/ من القانون المذكور شروطاً للترخيص للمخلّص الجمركي، ومنها أن يكون حاصلاً على الإجازة الجامعية في الاقتصاد، أو التجارة، أو الحقوق.

مأسسة التخليص
ومن هنا فإن إحداث نقابة للمخلّصين الجمركيين خطوة ضرورية لإعادة هيكلة وتنظيم ومأسسة هذا القطاع الاقتصادي الخدمي الهام، ويسهم في تحقيق تطلع العاملين في هذا القطاع نحو تحديث القوانين والتشريعات، وتفعيل دور المخلصين الجمركيين، ويصل عدد القائمين على رأس عملهم في المحافظات إلى (1253) ممن لديهم حساب على نظام الأسيكودا الذي يعتمد شكل البيان الجمركي الموحّد، ويسهم في اختصار المدة الزمنية لتخليص البضائع لتخفيض كلفتها، واختصار دورة البيان الجمركي في الأمانات الجمركية، وإعطاء صلاحيات أكثر للمخلّص الجمركي، ولدى كل مخلّص جمركي ما لا يقل عن (6) موظفين كمعدّل وسطي، وهذا كله يدفع باتجاه إحداث النقابة لرعاية ومتابعة أعضائها وأسرهم، وخاصة بعد تقاعدهم صحياً، واجتماعياً، ومواكبة خطط وسياسات التنمية، وبذل كل جهد لدعم الاقتصاد الوطني، وما تتطلبه الظروف الراهنة، ومما علمناه أن التنسيق موجود وقائم بين كافة الجهات المعنية بحركة شحن ونقل وتفريغ وتخليص البضائع والكشف عليها، وهذا ينعكس إيجاباً على عملية التخليص الجمركي، إلا أن هذا القطاع بحاجة إلى تكريس طابعه الاقتصادي، وضرورة تطويره، وذلك بإحداث نقابة مهنية علمية مستقلة تسهم في تذليل صعوبات هذا القطاع الذي يتبع لاتحاد الجمعيات الحرفية، وهذا لا ينسجم مع طبيعة عمل المخلّصين واختصاصهم.

إحداث مرصد لسوق العمل
يحدّ الروتين من توسع وزيادة عدد المنشآت الصغيرة رغم دورها في تلبية احتياجات السوق المحلية، وهذا يحتّم إحداث مرصد سوق العمل لتحديد الاختصاصات، وتوسيع التشاركية مع القطاعات الاقتصادية، والإنتاجية، الأهلية، والخاصة، لأن كل رخصة تشكّل مشروعاً تشغيلياً يختص بمهنة أو حرفة، وقد كانت هناك إجراءات لتسهيل ترخيص المنشآت الصغيرة، وإسراع البت بالأضابير المقدمة للحصول على الموافقات والتراخيص بموجب لجنة البلاغ رقم (9) المعنية بمنح التراخيص للمنشآت الصناعية القائمة وغير الحاصلة على التراخيص المؤقتة من خلال لجنة مهمتها دراسة الأضابير المقدمة للحصول على تراخيص، وحل المشكلات المتعلقة بها، ووضع معايير للعمل وفق ضوابط قانونية، وبما يتناسب مع الظروف الحالية، وقيام المديريات المعنية بمنح التراخيص بمتابعة الأضابير حرصاً على دقة العمل، مع التركيز على دراسة إعطاء تراخيص لمنشآت صناعية داخل وخارج المخططات التنظيمية لجميع المهن، ووضع جدول زمني متكامل للعمل يضمن عدم الإطالة بإعطاء أي ترخيص مستوفى للشروط، ودراسة المنشآت المتوقفة، وأسباب توقفها، وتسوية أوضاع المنشآت القائمة.

مروان حويجة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تعليقات