خطر “الوجبات السريعة” على المعرفة

لم تعَدْ ثورة المعلومات والاتصالات المعاصرة على مجتمعاتنا العربية والإسلامية بالخير العميم، ولم تتحقق منها الآمال المنشودة وطنياً ولا معرفياً قياساً إلى ما عرفته هذه المجتمعات في القرن الماضي، فصارت معطياتها الراهنة “قطيعيّة” أكثر منها تنويريّة، وتفتيتيّة أكثر منها توحيديّة.
لا نعرف في هذا القرن “نظرية معرفية” ذات محتوى وطني عروبي مستنير موحّد على غرار ما طرح التنويريون العرب من أمثال ساطع الحصري وقسطنطين زريق والطاهر حداد ومالك بن نبي وزكي الأرسوزي وزكي نجيب محمود وفؤاد زكريا وحسين مروة.. إلخ.
ولم تحسن مجتمعاتنا ولا مؤسّساتنا الوطنية والعربية الإفادة البنّاءة مما يقدمه الانترنت، ولا من محركات البحث ولا من السوشال ميديا، بل صارت هذه المؤسّسات والمجتمعات والأفراد عرضة لأشكال متجددة من “الغزو الثقافي” ولقمة سائغة أمام الاستهداف المعادي المدمّر للبنى الفوقية والتحتية… ووصلنا تحت مسمّى الربيع العربي المزعوم إلى ما نحن عليه من ترحّم على الماضي الوطني والقومي.
ما نحن فيه يبشّر بحركة تحرر وطنية وعربية، ولا شك في أنها قادمة لأننا أمة حيّة طالت مقارعتها الخطوب، ومواجهتها التحديات، لا تعرف اليأس، ولا تستسلم للصعاب، ولا تستكين أمام العدوان وكافة أشكال الغزو، والاستيطان، والاحتلال، والتآمر على حقوقها وقضاياها، على مصيرها ووجودها ومستقبل أجيالها التي هي أحوج ماتكون إلى نظرية معرفة معاصرة.

لكننا حقيقةً أمام إشكالية كبرى استهدفت الهُوية والوعي والانتماء، وسهّلت ثورة المعلومات والاتصالات والعولمة هذا الاستهداف من خلال سرعة الاطلاع دون تدقيق، ومن خلال الانفعال لا التفاعل بما تقدّمه هذه الثورة من “وجبات سريعة” أقبلت عليها الأجيال على أساس من الحرية المبنية على “الفوضى الخلاقة”، ومن “الشعب يريد” ومن “الثورة المضادة”، فأتت هذه الوجبات حارقة من المطبخ الصهيوأطلسي الرجعي العربي على طبق من انفلات الميديا المأجورة للمطبخ والطبّاخين، وكان لسرعة تصديق ما يملى علينا أثر في تحطيم أصالة الشخصية الوطنية وصولاً إلى تحطيم المجتمع ومؤسسات الدولة في إطار أهداف المركزية الغربية.

بالمقابل، لا يمكن نكران فائدة وسائل التواصل المادي منها والمعنوي، فليس الكمبيوتر شرّ، ولا كذلك الجوّال، ولا محركات البحث. لكن هل من الخير غياب الكتاب، والمسرح، والسينما، والدوريات والندوات الرصينة، والمؤسسات الثقافية ونظرية المعرفة الوطنية والقومية التقدمية؟!!.
نحن نواجه اليوم مركزية غربيّة ذات طابع امبريالي رجعي متوحّش تستهدف العقل أولاً، والغرب اليوم لم يعد يعرف حياة أكاديمية تنطلق من جامعات كمبردج وأكسفورد والسوربون وهارفرد..، بقدر ما تنطلق معرفته من مراكز الأبحاث المرتبطة بأجهزة المخابرات الغربية وبدوائر الاستشراق في الغرب الاستعماري، و”بالمؤرخين الجدد” الصهاينة، وبمستشاري الأمن القومي الأمريكي الوحوش من أمثال بيريجنسكي وفوكوياما وهنتنغتون ورايس وجون بولتون.. وهذا ما فضحته على أية حال ومنذ عقود مؤلفات عديدة في الغرب منها: كلاب الحراسة – كلاب الحراسة الجدد – كلاب حراسة الديمقراطية.
هذا جميعه أثّر في إرباك الشخصية المعرفية والتنفيذية الوطنية، وجعلها حيرى أمام مشاهد الانحطاط المعرفي، وتسطيح الوعي الجمعي والمجتمعي، فكان من السهل على ما سمّي بالربيع العربي أن يستثمر في الجهل وصولاً إلى استثماره في الإرهاب والتطرف والتكفير.
اليوم يحتكم الكثيرون إلى التسريبات، ويسرفون في متابعة السوشال ميديا بسبب هذا الإرباك الذي دفع بأعراض العقلية المتخلّفة إلى السطح، فغاب التدقيق والتمحيص والتعمّق، وتلاشت ديناميكية الرؤية الجدلية الواعدة، وانتقل الإرباك من الأفراد إلى المؤسسات ما أسهم في تعميق الأزمة والخشية من طول زمنها ولاسيما أن هناك كثيرين يتضرّعون إلى الباري كي يمدّ في عمرها ويديم عليهم نعَمِها، وهم يخشون بقلق انحسارها واندحارها لارتزاقهم الوضيع بها.
ولا يمكن لهؤلاء المتضرعين أن يُستجاب لدعائهم ولمطامحهم دون وجود مؤسسات عاجزة عن التصدي، بالوعي والمعرفة والوضوح والدقة والالتزام، لمظاهر التراخي والخلل والفوضى والفساد، فعلى هذه المؤسسات وزارات ومنظمات ونقابات وأحزاباً أن تثبت أننا لسنا حركة تحرر وصلت إلى السلطة أمس، بل نحن نتاج مؤسسات وطنية عريقة تعِب الرواد الأوائل في تشييد صروحها التي قدّمت ما نعتز به من وحدة وطنية وجامعات ومشاف… إلخ، وبما سيمكننا من الانتصار.
وإنها لمشكلة كبرى أن نجد مسؤولاً لم يستطع أن يعصم نفسه من الخلل والفساد، يتساوى في الموقف نفسه مع المسؤول الذي تمكن أن يستعصم، وهما يتفاوضان مع الشروط القاسية “الدفع؟!” لأرباب السوشال ميديا مستسلمين سوية أمام شعار: لا تقترب من عش الدبابير.
على مؤسسات الدولة كافة أن تنجح بأجهزتها الرقابية “العديدة والعتيدة” في أن تكون تصفية الحسابات مؤسساتية وطنية لا شخصانية، وألّا تئن تحت وطأة “لايك” السوشال ميديا. وبالمحصلة “برافو على الشاطر”، فالوطن غالٍ والوطن عزيز أيتها الوزارات والمنظمات المعنية، ولا بد من العمل على مأسسة وإطلاق محتوى وطني عروبي تقدّمي على النِت أمام الأجيال، هذا ما أنجزته بعض الشعوب بنباهة مؤسساتها ومنذ سنين.
د. عبد اللطيف عمران

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تعليقات