خمس سنوات.. كأنها البارحة

 

وكأنها مزحة ثقيلة الظل تلقيها ورقة روزنامة الحائط صباح البارحة، 11 -7-2018، الذكرى السنوية الخامسة لوفاة “نضال سيجري” هكذا تقول هذه الورقة وهي تنتظر أن تسقط كورقة خريف مؤجل، هكذا تقول وعليّ أن أصدقها، أن اصدق أن الموت قادر على أن ينال من اسعد خرشوف، من صوته المبحوح وهو يغني للبحر “يا سجرة الليمون يا عينيا”، من عينيه الدامعتين دائما حتى وهو يضحك، أي موت هذا الذي استطاع أن ينال من نضال سيجري كله، أبو وليم بألفته ومحبته ونقاء سريرته وعظيم موهبته، هكذا كله يموت دفعة واحدة! حقا هذه التقاويم بلا قلب.

قد تستغربون استغرابي هذا من ذهاب “نضال”، وربما يجده بعضكم مادة للتندر، خصوصا بعد مضي 5 أعوام على رحيله الهادئ كتفاحة طافية في جدول ماء، فمن ذاك الذي لن يطاله الموت؟ بالتأكيد لا أحد، إلا أننا نصادف قلة من الأشخاص الذين تصطخب بهم الحياة ويصطخبون بها، للدرجة التي لا نصدق فيها أن الموت داس عتبة بيوتهم، نضال سيجري واحد من الذين لا تمر الحياة بهم بقدر ما يمرون هم بها، لا ينتظرون منها أن تدلهم إلى دروبها ومنعطفاتها، لأنهم يسبقون الأيام بتقلباتها ومزاجيتها إلى ما ترنو إليه قلوبهم المثقوبة بالشغف، فتبقى الأيام خلفهم تنظر إليهم وتنتظر غيرهم.

القيمة الفنية العالية التي أضافها مخرج “طعم الليمون” إلى اللوحة الدرامية السورية بمختلف فنونها “مسرح– سينما تلفزيون”، جعلته واحدا من أهم صناع فرجتها وأقربهم لوجدان الجمهور وعاطفته، فالرجل الذي أطل بهيئة مثيرة للضحك في “ضيعة ضايعة” مثلا، جعل صورته حاضرة أبدا في خاطر كل من تابع هذا العمل محليا وعربيا، ومن المجحف برأيي تشبيه الراحل “سيجري” بـ تشارلي شابلن، خصوصا وأن شخصية “اسعد خرشوف” سبب التشبيه، اطعم فيها الناس في هذا العمل فعلا صوته، كما أن التنوع الفريد الذي قدمه الراحل في مختلف أعماله جعله من الفنانين القلائل السوريين والعرب والعالميين أيضا، القادرين على تأدية أي دور، بغض النظر عن طبيعته.

حتما خسرت الدراما السورية قامة فنية وإنسانية نبيلة بفنها وبغنى نفسها وترفعها عن الصغائر والدسائس والشللية الخبيثة “باعتبار أن هناك أيضا شللية حميدة” التي حكمت وتحكم الوسط الفني للأسف، وحتما خسر الوطن واحدا من أبنائه المخلصين والمشغولين به وعليه عن أنفسهم حتى والموت يتنازعهم على ما تبقى لهم من أنفاس معدودات.

صعدت روح نضال وأنفاسه الأخيرة مع كلمات قليلة، لم يقلها ليوصي بإرث أو ولد، بل لفظها مع آخر أنفاسه ليوصي بوطن أحبه واسكنه في ثناياه، وطن ائتمن عليه أخيه فواز الذي كان آخر من سمع كلمات الراحل الأخيرة بعد أن فاق من غيبوبته الطويلة، امسك بيد أخيه وقال له: سورية يا فواز .. ثم أغمض عينيه وولج كروم خياله الدانية القطوف.

تمام علي بركات

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تعليقات