دراما الـ30 حلقة وداعا

هذا المقال رقم : 19 من 59 من العدد 2018-6-26-16134

 

ليس بوداع المفارق المُحب، بل من اعتاد ربما، خصوصا وأن زمن الثلاثين حلقة ارتبط ارتباطا وثيقا بالموسم الرمضاني، بداية كنوع من أنواع التسلية الرمضانية، مثله مثل العرق سوس وشراب التمر هندي و”الناعم” ..الخ؛ إلا أن “التُجار” الذين لا تفوتهم فائتة حتى في هذه، سرعان ما انتبهوا أنها أيضا بضاعة رابحة، فانتعشت كصناعة عندما ولجوا هذا العالم كممولين لا “يتدخلون” حسب قولهم طبعا، لا بعمل المخرج ولا الكاتب، وكان لابد لهذا الانتعاش أن يركن فترة للازدهار والنمو، ثم ما لبث أن عاود الانحدار، لأسباب عديدة كنّا ذكرناها في غير مقام؛ هذا الزمن الذي اضطررنا للاعتياد عليه كجمهور انتهى زمنه، فلم تعد ال 30 حلقة، تكفي ليفجر الكُتّاب ما في مكنوناتهم، خصوصا وأن النوع المطلوب الآن دراما “البان آرب” بشروطه التي صارت معروفة، وأيضا دراما تبادل الشتائم وتصفية الحسابات السياسية منها بشكل خاص للأسف، له كتابّه ومخرجوه الموجودين تحت الطلب، لتأتي حكاياتهم مسلوقة سلفا عن فيلم هنا أو حكاية أجنبية هناك.

هذا النوع الثلاثيني يبدو أنه هرم بدوره، وهاهي الحلقات التي تصل إلى أكثر من 60 حلقة في بعض الأعمال المختلطة أو ال “بان آرب” تزيحه اليوم من مكانه، وصار لزاما على المتفرج أن يتابع الأعمال التي نالت إعجابه بعد الموسم الرمضاني، وفي هذا حسنة ربما، أي مشاهدة الأعمال خارج كرنفالها المحدد، إلا أن واحدا من أهم أدوات هذا الفن، تغيرت مهمته تماما فيما يخص الشأن الدرامي التلفزيوني، فلم يعد جامعا، بل وسببا للفرقة أيضا، وهذا حدث ويحدث، وصار لكل عمل متابعه الخاص، إن لم يكن على الشاشة الفضية، فعلى الشابكة “الانترنت”، حتى أننا قد نجد العائلة الواحدة في غرفة واحدة وكل فرد منهم يشاهد مسلسله الخاص. لكن لماذا هذه النقلة الآن في عدد الحلقات، التي كانت في عمل بديع كما مسلسل “أيام شامية”-أكرم شريّم-بسام الملا- 14 حلقة، وفي “مقالب غوار” و”صح النوم”، وغيرها من الأعمال الدرامية التلفزيونية المحلية، كان عدد الحلقات فيها، يتناسب بعناية والقصة، التي يمكن أن تحكى بساعة، ويمكن أن تفرد تفاصيلها على أكثر من ذلك بأيام.

من المعروف أن الدراما بأنواعها “سينما-مسرح تلفزيون الأكثر رواجا بين الناس لسهولة متابعتها-، هي من أفضل الوسائل لأي دولة من دول العالم، التي تريد أن تنشر ثقافتها وأخلاقها وعاداتها الاجتماعية وقيمها بين دول العالم المختلفة، من خلال ما تعرضه على شاشات التلفاز الخليجية هنا يشكل خاص، وهنا كان للدراما التركية المدبلجة –التي قامت على أصوات الفنانين السوريين وأكتافهم- أثرها الحاسم في هذه النقلة، خصوصا وأن المشاهد العربي عموما، صار من أهم المتابعين لتلك الدراما مديدة الحلقات، والتي لا تخرج عن كونها حكايات حب “ممطوط” زمنها، بأحداث لا تعني شيئا وحكاية فارغة من المضمون، لكن نجومها ونجماتها من أصحاب الوسامة والطلة الفاتنة حتى عند النهوض من السرير مثلا صباحا، عدا عن الفخامة التي تظهر بها الأمكنة في تلك الأعمال، وما يرافقها من ظهور أحدث أنواع السيارات والأزياء والجواهر فيها، بحيث أصبحت إعلانا تجاريا متعدد الأوجه على شكل مسلسل، يحمل من اسمه آلية التسلسل فقط، أما أن يكون حمالاً لحكاية جيدة، فهذا لم يحدث يوما؛ تلك الدراما التي كان قد سبق إليها كل من المكسيكي والأمريكي، مثل مسلسل “فريندز” الذي امتد زمنه على مئات الحلقات، دون أن يملّه الجمهور، هذه الدراما أي التركية المدبلجة، تركت أثرها الحاسم والعميق في مجتمعنا العربي، الذي بات يقلدها ويحاكيها ويخصص لها الوقت الكافي لمشاهدتها والإنصات إليها، بل وشرع يؤجل أعماله إلى الوقت في الوقت الذي تعرض فيه هذه المسلسلات، فأصبح الإقبال الجماهيري العربي على هذه الأعمال، أمرا لم نشهد له مثيلا من قبل، حتى أن البعض وصفها بالحمى التي تنتاب القنوات الفضائية، والذي برره البعض الآخر بمبررات لا معنى لها، فقد اعتبر البعض هذا الإقبال نوعا من التعطش للعاطفة والرومانسية التي كادت تفقدها المجتمعات العربية، وقال البعض الآخر أن ما يعرض من مناطق سياحية لم نشاهدها من قبل وحب الاستطلاع من قبل المشاهدين للتعرف على ما هو موجود في هذه البلاد كان السبب وراء انتشارها بهذا الشكل، وغيرها من الأسباب التي لا تُتابع عادة الحكايات المصورة لأجلها أبدا، وهنا عاد للظهور التاجر، الذي أسس شركة إنتاج وراح إلى صناعة هذا النوع من الأعمال في عدد حلقاته الطويل، وشكله المبهرج، نزولا عند رغبات الناس–كما يدعي طبعا-، بمتابعة أعمال سطحية، يتوفر فيها ما كان سائدا في الدراما التركية، خصوصا وأن الجمهور ملّها، بعد أن تمت محاولة تقديمها باللهجة الخليجية والمصرية، وفشلت فشلا ذريعا تلك الأعمال، في تحقيق نسب مشاهدة عالية، وجاء زمن انحدارها، باعتبار الصوت السوري، الحامل الفني الصحيح للحوارات فيها، هو من اعتادت الآذان على اختلافها، سماعه، لبساطة اللهجة الدارجة محليا، وفهم الجمهور لها، بعد أن كانت نشرتها أعمال درامية سوريّة عديدة، وجعلتها من اللهجات المفهومة من المحيط إلى الخليج.

الآن لم يعد الجمهور العربي بحاجة للتركي أو المكسيكي أو الأمريكي، ليشاهد نجومه الذين يحب لعدد حلقات صار يتجاوز كما ذكرنا سابقا ال60 حلقة، وسيصبح في قادمات الأيام يتجاوز ال100 حلقة، وهذا الموسم لاحظنا أن العديد من الأعمال لم تنته مع نهاية الموسم الدرامي كما العادة، فبعضها امتد بشكل خجول أو كتجربة مبدئية على 3 حلقات أو 7 في أحسن الأحوال، وبعضها طالت عدد حلقاته الـ 45 حلقة، مثل “مذكرات عشيقة سابقة” –نور شيشكلي- هشام شربتجي- لذا يبدو أن دراما ال 30 حلقة، ستصبح كلاسيكية، بائدة، وعلى الجمهور أن يودعها ربما إلى الأبد.

تمّام علي بركات

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تعليقات