ذاكرة القلب

هذا المقال رقم : 16 من 73 من العدد 2019-1-11-16268

اعتدت أن أستمع بشغف إلى أغاني أم كلثوم، كما اعتدت البحث عن اسم مؤلف وملحن كل أغنية من أغانيها ومعرفة قصة الأغنية إن أمكن، ولم يكن ذلك بأمر عسير عليّ ففي مكتبتي كتاب يتضمن قصة حياة السيدة، ويفصّل في كل أغنية، وفي كلماتها واسم المؤلف والملحن وسبب كتابتها، وكيف غنتها أم كلثوم، مما كوّن لدي هذا الاطلاع على تفاصيلها أكثر من الآخرين.
أمس وفي دردشة مع أحد الأصدقاء أخبرني أنه يستمع إلى أغنية “هذه ليلتي”، فتبادر إلى ذهني اسم “محمد عبد الوهاب” الملحن الرائع، واسم المؤلف “جورج جرداق” وحضر أيضا سبب اقتنائي لهذا الكتاب، والذكرى التي لا تفارق قلبي بعده. كان ذلك في عام ٢٠١١ حينما أقامت كلية الآداب والعلوم الإنسانية في جامعة البعث معرضا للكتاب ضم كثيرا من الكتب التي لفتتني وتمنيت اقتناءها ولم يكن بوسعي ذلك، ولكن أكثر ما أحببته حينها كان ديوانا للشاعر عمر الفرا، خاصة أنه كان قبل ذلك قد حضر إلى ذات الكلية وأقام فيها أمسية شعرية حضرها القاصي والداني، المحب للشعر وغير المحب له، إلا أنا، فقد كان الازدحام شديدا، وكنت ممن لا يهوى ذلك، وما زلت.
اشتريت ديوان الشاعر الفرا، والتفت إلى “محمد” الطالب في كلية التربية، الذي رافقني في المعرض، والذي كان يحمل بيده كتابا يتناول سيرة حياة أم كلثوم، فقلت له: “أصبح لدينا كتابان جديدان، عندما أنتهي من قراءة الديوان سأستعير منك كتاب أم كلثوم”.
ضحك محمد وقال لي: “من هلق استعيريه إذا بدك”.
في طريق العودة إلى السكن الجامعي، أخذ محمد الديوان وبدأ يتصفح القصائد، فما كان مني إلا أن طرحت عليه أن نتبادل الكتب ليقرأ كل منا ما اشترى الآخر، وأردفت: “هيك كل واحد بيقرأ الكتاب اللي ما بيملكو.. لاحقين نقرأ كتبنا”.. فوافق محمد على الفور.
محمد الخضر.. صاحب الابتسامة الطيبة، والنخوة الكبيرة.. الصديق والأخ، وطالب كلية التربية المجد المتفوق على أقرانه.. محمد المقاتل البطل.. الطالب الذي لم يستطع رؤية رحى الحرب تدور في بلده، ويد الإرهاب تحاول أن تطال كل جميل وآمن فيها فتطوع في صفوف الجيش ونال الشهادة في أحد صباحات الحرب في درعا.. رحل محمد وترك لي الكتاب.. وترك للوطن ابتسامة عذبة لن ينساها كل من عرفه.
لم أعد أفتح كتاب أم كلثوم لأعرف أسماء الملحنين والمؤلفين.. فقد بت أفتح الكتاب لأعود بقلبي إلى ذلك اليوم.. وإلى تلك الذكرى..، ولم يعد همي الأكبر حفظ كلمات أغنياتها، فقد صار من الأولى عندي، حفظ أسماء كتاب النصر في بلدي، وقراءة كلماتهم التي حفرت في قلوبنا.. لم تعد أغنيات أم كلثوم توجع قلبي.. كما يوجعه كل يوم رحيل شهيد آخر سطر بدمائه حروف النصر.
مادلين جليس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تعليقات